تأخذك إلى أعماق الفكر

الوصفات الكلاسيكية في المطبخ الاقتصادي (المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد)

1

“علم الاقتصاد لديه تأثير كبير على مختلف مناحي الحياة، فهو أحد المحركات الرئيسية لحياة الشعوب، وأولئك الذين قاموا بتطوير الفكر الاقتصادي على مدار التاريخ لا تزال أفكارهم مؤثرة حتى بعد قرون من وفاة بعضهم.”

و إذا ما تحدثنا عن تاريخ الفكر الاقتصادي فإنه لا يوجد مدرسة من مدارس الإقتصاد رفدت هذا العلم بآراء ونظريات و مفكرين عظام كـالمدرسـة الكلاسيكية تلك المدرسة التي أسست بحق هذا العلم ورسمت ملامحه التي هو عليها الآن.

ولكي تتضح لنا الإسهامات التي قدمها لنا رواد و مفكرين هذه المدرسة دعونا نتعرف معا على أبرز علمائها و أكثرهم شهرة في الأوساط الإقتصادية:

إعلان

● آدم سميث ( Adam Smith ( 1723-1790

“في بداية الخلق كان آدم، و عند الكثيرين فإن الاقتصاد في شكله الحديث قد بدأ مع آدم سميث.” |د. حازم الببلاوي|

لم أجد أبلغ من هذه المقولة حتى أبدأ بها حديثي عن هذا الفيلسوف والاقتصادي الأسكتلندي الأصل الذي أعطانا أفضل كتاب في علم الإقتصاد على الإطلاق ألا وهو كتاب (ثروة الأمم أو بحث في طبيعة و أسباب ثروة الأمم )

إن هذا الطرح الاقتصادي العظيم الذي خطته أنامل هذا الفيلسوف قدم لنا تركيبة متكاملة عن الاقتصاد ووضع الأساس أو الدعائم التي بُني عليها علم الاقتصاد بشكله الحديث.

وعلى الرغم من أن آدم سميث أثناء كتابته لهذا الكتاب لم يذكر أي إشارات أو دلائل تنص على أن أفكاره الإقتصادية الواردة هنا هي ليست حصرية أو مبتكرة بل إنها نتاج لأفكار غيره من الفلاسفة القدماء الذين سبقوه في الحضارات القديمة، إلا أن ذلك واضحٌ وضوح الشمس فأغلبية الأفكار التي نص عليها كتاب ثروة الأمم قد وجدت من قبل في كتابات العديد من المفكرين لعل أبرزهم المفكر الشهير ومؤسس علم الاجتماع “إبن خلدون” فمن يقرأ كتاب المقدمة لإبن خلدون الذي كتبه منذ قرون عدة يكتشف حجم التشابه الكبير بين أفكاره و أفكار آدم سميث وهو ما يؤكد لنا أن ما جاء به سميث هو مجرد تطوير و نقل لأفكار هذا المفكر الإسلامي العظيم وغيرة من الفلاسفة والمفكرين السابقين.

ولكننا لا ننكر بالطبع الأهمية الكبيرة لآدم سميث في علم الاقتصاد حتى أن الأغلبية يعتبره الأب الروحي للاقتصاد السياسي، و من المفرقات الغريبة عن سميث أنه وبرغم اهتمامه الكبير بالمشكلات الاقتصادية إلا أنه وبعد دراسته الجامعية و امتهانه لمهنة التدريس أصبح أستاذًا للمنطق و الفلسفة الأخلاقية ولم يمتهن أبدًا تدريس علم الاقتصاد كمنهج مستقل كما أنه في الأساس لم يدرسه بشكل منفصل عن الفلسفة، و بغرض التعرف وبشكل أكبر على إسهامات هذا الفيلسوف في علم الاقتصاد دعونا و بشكل مختصر نشرح أهم الأفكار التي وجدت في كتابه ثروة الأمم على شكل نقاط

إعلان

● نظريات آدم سميث و أفكاره الاقتصادية:

*تقسيم العمل عند آدم سميث:

استطاع سميث ومن خلال مثاله الشهير عن مصنع الدبابيس الإثبات بأن تقسيم العمل وتخصص كل عامل بشيء معين من شأنه أن يضاعف الإنتاجية بنسبة كبيرة جدًا .

كما أن نظرية تقسيم العمل الخاصة بسميث لا تقتصر فقط على العمال أو داخل المدن فحسب بل إنها تمتد إلى تقسيم العمل بين البلدان، ووفقًا لذلك فإن التجارة الحرة بين البلدان وتخصص كل مدينة في إنتاج شيء معين من شأنه أن يعمل على اتساع الأسواق وبالتالي تزايد ثروات الأمم و تحقيق الرخاء والازدهار .

وفي خضم مسألة التجارة الدولية وتقسيم العمل بين البلدان جاء آدم سميث بنظرية أطلق عليها نظرية الميزة المطلقة والتي تنص على أن الدول يجب أن تستورد فقط المنتجات التي تمتلك فيها الدول الأخرى الميزة المطلقة في إنتاجها، بمعنى أن من المفترض على الدولة أن تقوم بشراء البضائع من الدول التي تنتج هذه البضائع بتكلفة أقل وبكميات أكبر من إنتاجها في الدولة المستوردة.”

وهذه النظرية لم تكن موفقة إلى حد ما فهناك اقتصادي آخر أثبت عدم صوابها وهو ديفيد ريكاردو “والذي أعطى نظرية أخرى مناهضة لها سنتحدث عنها بشكل مفصل عندما نتطرق لإسهامات ريكاردو.

أيضًا عند قراءة كتاب |ثروة الأمم| نجد فيه مصطلح اليد الخفية وهو مصطلح تم إثارة الكثير من الجدل حوله حيث أن البعض خمّن أن آدم سميث كان يقصد بأن اليد الخفية هي يد الله في الاقتصاد أي أنها ذات مغزى ديني ولكن هذا الكلام لا يعبر عن الحقيقة بشكل دقيق فما قاله سميث عن هذه اليد يوحي بأن لها معنىً آخر أكثر عمقًا و أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال و إليكم النص الذي ذكر فيه سميث يده الخفية هذه:

“عندما يوظف كل فرد مقدارًا من المال و يعمل بجهد فإنه لا يفعل ذلك للمنفعة الجماعية ولا يدري مدى تطويره للجماعة عند القيام بذلك ولكنه يتصرف تبعًا ليد خفية لم تكن جزءًا من نواياه و بعد اتباع مصلحته الشخصية فهو يُنمي و يطور مصلحة المجتمع.”

كما و قال “عندما نحصل على طعام العشاء من الجزار أو الخباز لا ينبع ذلك من الخير الموجود بداخلهم ولكنه ينبع من اهتمامهم بمصلحتهم الشخصية فنحن لا نتعامل مع إنسانيتهم و لكن مع حبهم لذاتهم.”

إن الكلام أعلاه إذا ما دل على شيء فإنه يدل على شيء واحد فقط وهو أن اليد الخفية لآدم سميث قصد بها الآلية التي تعمل بها الأسواق أي أن السوق لديها القدرة الكاملة على حماية نفسها بنفسها من الأزمات و لها القدرة على إعادة حالة التوازن بين العرض والطلب مع مرور الوقت.

فالأفراد الذين يتعاملون في هذه الأسواق سواء من خلال البيع أو الشراء لديهم دوافع شخصية و مصالح مشتركة تربطهم ببعض وبالتالي فإنهم أثناء سعيهم لتحقيق مصلحتهم الشخصية فإنهم يحققون مصلحة مجتمعهم بطريقة أو بأخرى وهو بدوره ما سينعكس على الأسواق و يحدث نوعًا من التوازن فيها.

أيضًا هناك مبدأ آخر من المبادئ التي آمن بها سميث وهو مبدأ الحرية الاقتصادية، هذا المبدأ الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي والذي يعد سميث مؤسِسه وبانيه، وإليكم هذا الاقتباس الذي يشرح لنا هذه الفكرة بالتفصيل:

“إن الحرية الاقتصادية توفر لنا أفضل العوامل الممكنة عن طريق عمل اليد الخفية، أما محاولة التدخل في هذه الحرية بفرض القيود و السماح للاحتكار بالتدخل فسيؤدي ذلك إلى أن نصبح أكثر فقرًا مما يجب، أما الحكومات وبحسن نية فسينتهي بها الأمر إلى زياده الحالة سوءًا ولكن هذا لا يعني إمكانية الاستغناء عن وجود حكومات ولكن يعني تحديد دور لها بطريقة صحيحة.”

نستنتج مما سبق أن آدم سميث يرى بأن تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي يكون ضارًا في أغلب الأوقات و أنه من المفترض أن يقتصر دورها على تحقيق المصالح العامه لأفراد المجتمع كتوفير القضاء العادل و تحقيق الأمن و إقامة المشروعات التي قد يصعب على الأفراد العاديين القيام بها.

و صحيح أن سميث ناضل من أجل إعطاء الحرية للأفراد في ممارسة نشاطهم التجاري بدون أي عوائق أو حواجز من قبل الدولة ولكنه أيضًا قد هاجم بعض التجار و أصحاب المهن الذين قد يفرضوا بعض القيود التي من شأنها أن تعيق الحرية الإقتصادية، فالقيود على النشاط الاقتصادي قد تأتي من قبل الدولة وقد تكون من جانب أطراف أخرى كالهيئات والمنظمات التجارية. باختصار أراد سميث التخلص من العوائق و القيود من كل الجوانب و الاتجاهات.

ولغرض عرض النسبة الأكبر من الأفكار الاقتصادية لآدم سميث سيكون من المفيد أن نعرف النظرة التي كان ينظر بها إلى الثروة وهي نظرة مغايرة تمامًا لنظرة وأفكار الفلاسفة و المدارس التي سبقته.

فبينما كان يعتقد هؤلاء بأن ثروة البلد تُقاس بما لديها من ذهب وفضة و يميلون إلى فكرة أن تكون الدولة مصدِّرة أكثر من كونها مستوردة حتى تحصل على المزيد والمزيد من المعادن النفيسة فإن آدم سميث كان يرى بأن الثروة الحقيقية ينبغي أن تقاس بمعايير مستوى معيشة المواطنين وليس استنادًا إلى حجم العملات و المعادن النفيسة ، فليس من الضروري أن تترجم حقائب الذهب إلى حقائب من طعام.

كما و قال بأن الثروات يجب أن تقاس من وجهة نظر المستهلكين في الدولة، و أدرك بأن الحافز الفردي والاختراع والابتكار كلها عوامل تعمل على إيجاد اقتصاد أكثر رخاءً و إزدهارًا ، أي أن على الدول أن تقوم بتقييم ثرواتها من خلال مستويات الإنتاج والتجارة وليس بناءً على قيمة ودائعها من الذهب والفضة، وبهذا يكون قد أعطى فكرة جديدة للاقتصاد وهي مفهوم أو مبدأ “الناتج المحلي الإجمالي.”

وبالإضافة إلى كتاب “ثروة الأمم” هناك أيضًا كتاب آخر قام سميث بتأليفه وهو كتاب “نظرية المشاعر الأخلاقية” حيث إن هذا الكتاب كان قد سبق كتاب ثروة الأمم وتناول سميث فيه مدى اعتماد التواصل البشري على العاطفة والمشاعر.

ومن هذه الأفكار التي خطّها آدم سميث في كتبه انطلق الفكر الاقتصادي الحديث أو ما يعرف بالتحديد “بالإقتصاد الكلاسيكي.”

لقد خلق سميث إرثًا كبيرًا للاقتصاديين الذين أتوا من بعده كما وأنهم اقتبسوا نظرياتهم و أفكارهم من وحي أفكاره، فالاقتصادي الذي سأتحدث عنه لاحقًا قام بتطوير و تعديل بعض نظريات سميث و أنتج نظريات لا مثيل لها و لا تقل أهمية عن نظريات سميث نفسه.

• ديفيد ريكاردو (1832-1772) David Ricardo

يتميز ريكاردو عن غيره من الاقتصاديين بأنه استطاع أن يؤسس ثروة ضخمة ويصبح من الأثرياء و يحصل على لقب أغنى خبير اقتصادي في العالم.

و على الرغم من أنه لم يتلقَّ تعليمًا جامعيًا إلا أنه كان شخصًا ذكيًا للغاية وذكاؤه هذا أهّله لأن يصبح من الأغنياء، حيث إنه عمل منذ كان في سن الرابعة عشر من عمره في الشركة التابعة لأسرته والتي كانت تعمل بالأوراق المالية (البورصة).

وحتى عندما طرده و الده من الشركة وحرمه من الميراث لأنه تزوج من فتاة من غير ملّته وترك معتنقة الدين اليهودي استطاع أن يؤسس عملًا خاصًا به في مجال سمسرة البورصة و حقق نجاحًا باهرًا في عمله هذا و عندما أصبحت لديه ثروة لا بأس بها دخل المعترك السياسي وحجز لنفسه مقعدا في البرلمان ، و أصبح من ألمع خبراء الاقتصاد بل وحتى أن خبرته فاقت غيره من العلماء الذين درسوا الإقتصاد و تخصصوا بتدريسة .

• إسهامات ريكاردو في التجارة والاقتصاد:

طوّر ريكاردو نظرية الميزة المطلقة لآدم سميث و ذلك عن طريق وضع نظرية كاملة عن التجارة الدولية أطلق عليها اسم “الميزة أو المزايا النسبية” حيث أضافت هذه النظرية الكثير للتجارة الدولية وساهمت في إيجاد تقييمًا متفائلًا للأرباح المتوقعة من التبادل التجاري.

إن جوهر الاختلاف بين نظرية الميزة المطلقة لآدم سميث و نظرية الميزة النسبية لريكاردو يكمن في أن آدم سميث عندما وضع نظريته الخاصة بالتجارة الخارجية لم يفرّق بينها وبين التجارة الداخلية، فتخصص الدولة بإنتاج سلعة معينة يتوقف على النفقات المطلقة أي أن على الدولة أن تقوم باستيراد السلع من دولة أخرى إذا كانت تلك الدولة لديها ميزة مطلقة في إنتاج هذه السلع و تقوم بإنتاجها بتكاليف أقل من إنتاجها في الدولة المستوردة فبحسب سميث ما الجدوى من أن تنتج الدولة سلعة في حال أن استيرادها أرخص من إنتاجها داخليًا.

أما ريكاردو فإن له وجه نظر عكس ذلك فهو يرى أن هناك مصلحة من قيام التجارة بين البلدين دون الحاجة لأن يكون هناك اختلاف في النفقات المطلقة و يكفي أن يكون هناك اختلاف نسبي فقط بين التكاليف في البلدين حتى تحقق التجارة نفعًا لكُلًا منهما، فمثلًا قد تكون بعض البلدان لديها ميزة مطلقة وقدرة على إنتاج أكثر من سلعة و لكنها تحقق فائدة من دخولها في التجارة مع دولة أخرى أقل منها كفاءة في إنتاج السلع.

ومن هنا نستنتج أمر مهم للغاية وهو أن نظرية آدم سميث لم تعمل حساب للبلدان التي لا تمتلك ميزة مطلقة في الإنتاج و كأنه أقصاها من ممارسة التجارة الخارجية في حين أن ريكاردو بتطويره لنظرية آدم سميث صرّح بأنه يكفي أن تمتلك الدوله ميزة نسبية فقط في إنتاج سلعة ما حتى تستفيد من تجارتها الخارجية مع غيرها من الدول.

وبالإضافة إلى نظرية الميزة النسبية فقد أضاف ريكاردو إلى علم الاقتصاد أكثر من ذلك فبسبب خبرته في علم المالية استطاع أن يتناول موضوع الاقتصاد السياسي وذهب به إلى نطاقات علمية ونظرية بدرجة أكبر، ففي حين أن كتابات آدم سميث كانت بسيطة وتعتمد على الإطار النظري إلا أن كتابات ريكاردو كانت تتصف بالصعوبة و بأنها موجهة للمتخصصين. فالتحليل الاقتصادي عند ريكاردو يستند على أساس الاستنباط المنطقي ووضع الفروض و بذلك يكون ريكاردو هو أول من قدم علم الاقتصاد بصورة معادلات ومفاهيم رياضية صعبة.

كما أن لريكاردو عده مؤلفات و كتابات أشهرها كتاب “مبادئ الاقتصاد السياسي و الضرائب الذي نشره في سنة 1817 م، وغيرها من المؤلفات والأفكار التي جعلت هذا المفكر من أعظم رواد الفكر الكلاسيكي الذين لهم نظرة أكثر تعقيدًا للأمور قد تصل أحيانًا لأن تتصف بالنظرة التشاؤمية بعكس النظرة التفاؤلية التي تعودنا عليها في كتابات و أفكار آدم سميث.

و الحديث عن التشاؤم والأفكار غير المتفائلة يدفعنا للتعرف على اقتصادي آخر كانت نظرته للمستقبل أكثر تشاؤمًا و سوداوية ألا وهو خبير الاقتصاد الإنجليزي “توماس مالتوس”.

● توماس مالتوس ( Thomas Robert Malthus ( 1766-1836

يصنف مالتوس أنه من الhقتصاديين المتشائمين الذين ينظرون إلى المستقبل بنظرة كئيبة و غير متفائلة ولا شك أن نظريته عن السكان هي أكبر دليل على ذلك حيث يقال بأن الكاتب |توماس كارليل| عندما وصف علم الاقتصاد “بالعلم الكئيب” كان يفكر في مالتوس و بالأخص بنظريته الاقتصادية المثيرة للجدل عن السكان.

وعلى الرغم مما سبق فإن مالتوس يعتبر من المفكرين الاقتصاديين القليلين جدًا الذين أمدّوا علم الاقتصاد بالعديد من النظريات و الأفكار التي ساهمت في إيجاد الحلول وإزالة الغموض عن كثير من المشكلات الإقتصادية كما أنه يعتبر أول أستاذ لمادة الاقتصاد في العالم وكان ذلك بعد تولّيه لمنصب أستاذ التاريخ الحديث والاقتصاد السياسي في جامعه أسستها شركة الهند الشرقية.

و للتعرف وبشكل مفصل لنظريات و أفكار هذا القس الإنجليزي سأحاول هنا إيجازها بشكل مختصر و سأبدأها بالتأكيد بنظريته الأكثر جدلًا والتي كانت السبب في شهرته وهي عبارة عن مقالة مكونة من 50000 كلمة قام مالتوس بنشرها تحت مسمى “بحث في مبدأ السكان” وإليكم نص من هذا المقال الذي أظهر كمية التشاؤم الذي يرى به مالتوس المستقبل:

أعتقد أنه بإمكاني و ضع افتراضين أساسيين مُسلَّم بهما أولًا: أن الغذاء ضروري لجسم الإنسان.

و ثانيًا: أن الرغبة بين الجنسين ضرورية و على وجه التقريب ستستمر على وضعها الحالي ومن ثم ففي حالة افتراض تحقيق ما ورد في بحثي فإنني أقول أن قوة السكان تعلو فوق أي قوة على الأرض وهي قادرة على إنتاج مورد رزق يضمن بقاء الإنسان فإذا ترك عدد السكان بغير كبح فإن نسبته تتزايد في متوالية هندسية أما مردود الرزق فنسبته تتزايد في متوالية حسابية، كما أن أبسط معرفة بالأرقام سوف تُظهِر ضخامة القوة الأولى (السكان) مقارنة بالثانية (الرزق أو الطعام ).”

و مما سبق يتضح لنا تنبؤ مالتوس بأن نسبة تزايد السكان ستكون أكبر من إنتاج الطعام على حد قوله حيث أن إنتاج الطعام سيتزايد بمتتالية حسابية أي (2-4-6-8-10… ألخ)، في حين يتزايد السكان بمتتالية هندسية أي ( 2-4-8-16-32… ).

ووفقًا للفكر المالتوسي يجب عمل شيئًا ما من شأنه إيقاف نمو السكان وكان الاختيار بين إما التحديد الاختياري للنمو السكاني و هو أمر كان مالتوس يشك في حدوثه أو بين شيء أكثر بشاعة وهو ما أسماه بالموانع الإيجابية ألا وهي التحكم في عدد السكان عن طريق (الحرب والأوبئة والطاعون و المجاعات).

وبالإضافة إلى الموانع الإيجابية التي أوردتها سابقًا هناك أيضًا موانع أخرى أطلق عليها مالتوس اسم الموانع الأخلاقية مثل أن يتم الزواج بسن متأخر مع إشتراط العفة.

لقد تسببت هذه النظرية بمشكلات عديدة لمالتوس أبرزها اتهامه بأنه شخص ظالم ويشجع على نشر الفساد والمظالم الاجتماعية، كما أن الواقع أثبت عدم صحة هذه النظرية في ذلك الوقت حيث أن العالم شهد زيادة مفرطة في الإنتاج سمحت باستيعاب زيادات كبيرة في أعداد السكان. فالتقدم التقني والتكنولوجي ساهم وبشكل كبير جدًا في زيادة الإنتاج حينذاك.

لكن وإن كانت نظرية مالتوس عن السكان غير منطقية في البلدان الصناعية إلا أنها وإلى حدٍ ما تعتبر صحيحة في بعض المجتمعات وبالذات في دول العالم الثالث فواقع هذه الدول يظهر فعلًا أن زيادة عدد السكان في بعض الأحيان يفوق بمراحل زيادة الإنتاج أو أن الإنتاج لا يكون كافيًا بالقدر الكافي الذي يغطي تزايد السكان.

و بغض النظر عن صحة أو خطأ مالتوس في نظريته عن السكان إلا أننا لا يمكننا أن نتحدث عن هذا الفيلسوف دون أن نذكر مناقبه و أفكاره الاقتصادية الأخرى فبالإضافة إلى كونه أول من قام بإجراء إحصاء للسكان فهو أيضًا أعطانا أعظم قانون في علم الاقتصاد على الإطلاق ألا وهو قانون تناقص الغلة والذي ينص باختصار شديد على أنه إذا قام مجموعة من العاملين بالعمل في قطعة أرض فإنهم سيحصلون على كمية معينة من ناتج هذه الأرض و لكن عندما يزيد عدد العمال فإن المحصول سيزداد و لكنه لن يتضاعف لأن المتاح هو ما تستطيع الأرض أن تنتجة فقط، لذا فإن ما سيحصل عليه الفرد من إنتاج يقل بالمتوسط، حيث أنه بعد حدٍ معين سيكون الناتج الحدي لكل عامل إضافي (الكمية التي يزيد فيها الإنتاج) يقل عن العامل الذي يسبقه.

أو بمعنى آخر فإن استخدام الأراضي الخصبة من خلال زيادة الإنتاجية منها سيؤدي إلى التقليل من خصوبتها و ستتحول إلى أرض بور وهو ما سيؤدي بدوره إلى خفض الإنتاجية.

تناول مالتوس أيضًا آراء الاقتصادي الفرنسي “جان باتيست ساي” والذي يعتبر من أنصار الحرية الاقتصادية. وهناك قانون يطلق عليه قانون ساي للأسواق نسبة إلى هذا العالم وينص هذا القانون على”أن العرض يخلق الطلب الخاص به” أي أن الطلب ما هو إلا متغير تابع للعرض وليس العكس وبالتالي فإنه من المستحيل أن تحدث زيادة أو وفرة في الإنتاج لأن هناك طلب فعلي على هذه المنتجات وهو ما يؤدي بدورة إلى تساوي العرض مع الطلب.

لكن مالتوس لم يوافق على هذا الرأي ورأى أنه ليس من الضروري أبدًا أن يكون الطلب الإجمالي مساويًا للعرض الإجمالي فقد يحدث مثلًا أن يفوق العرض الإجمالي الطلب الإجمالي وتبعًا لذلك سوف تظهر مشكلة اقتصادية ألا و هي البطالة، وعلى الرغم من أن غالبية الاقتصاديين الكلاسيك كانوا مع قانون ساي هذا إلا أن مالتوس كان من المشككين بصحة هذا القانون وهو بذلك قد سبق كينز واعتُبِر من أوائل الاقتصاديين الذين قدموا أساسًا نظريًا للأزمات الاقتصادية.

لمالتوس أيضًا العديد من الكتب والمؤلفات أبرزها كتابه عن “أصول الاقتصاد السياسي” وغيرها من المقالات التي لم يُنشر بعضها ولم يظهر للعلن.

ختامًا هؤلاء هم أساتذة المدرسة الكلاسيكية و تلك هي أفكارهم و نظرياتهم التي ساهمت في حل الكثير من المشكلات الاقتصادية التي كانت تعاني مجتمعاتهم منها و المدهش حقًا أن كثيرًا من الدروس التي قدّمها الكلاسيك للاقتصاد لا تزال صالحة للتطبيق فكل نظرية من نظرياتهم الحكيمة تفسر أو تمثل الواقع الذي نعيش فيه اليوم.

مصدر كتاب أفكار جديدة من اقتصاديين راحلين كتاب دعوة غداء كتاب دليل الرجل العادي إلى تاريخ الفكر الاقتصادي
تعليقات
جاري التحميل...