تأخذك إلى أعماق الفكر

الإنسان في مواجهة الظلام – غياب الروحانيات عن العالم الحديث

الإنسان في مواجهة الظلام 'ولتر ستيس'

2

مقدمة المترجم

إعلان

“الإنسان في مواجهة الظلام” هو مقال على قدر عالٍ من الأهمية والتأثير على كتابات ولتر ستيس اللاحقة. لم يسبق له أن تُرجم إلى العربية من قبل. يناقش المقال وجهة نظر في غاية الأهمية عن إشكالية غياب الجانب الروحاني من حياة الإنسان في العصر الحديث، أسبابه، ونتائجه على العالم عمومًا، والحضارة الغربية خصوصًا.

وقد رأينا أهمية هذا المقال في هذا الوقت خصوصًا، لعدة أسباب، أولها أنّنا نرى الآن مضاعفات غياب الروحانية في العالم الغربي، والأثر الكارثيّ الناتج عن ارتفاع صوت الراديكالية اليسارية في الفنّ والأخلاق؛ وثانيها أنه وبطبيعة معظم أشباه المثقّفين بالشرق الأوسط، بدأوا باستيراد الجوانب الأكثر سلبية من تلك الحضارة، فلم يبدأوا بحركات تنويرية لنشر الثقافة العامة، ومن ثمّ إثرًا لتلك الحركة يبدأون بمهاجمة الدوجما الدينية وبعض المسلّمات المضرّة بالمجتمع، ومن ثمّ مهاجمة الجذور الدينية بعد استبدالها بقيم إنسانية قائمة على أساس علمانيّ، بالطبع مع المرور على العديد من المراحل الانتقالية.

لكن ما حدث هنا أنهم بدأوا بمهاجمة جذور الدّين مباشرة دون صنع قاعدة عامة مستعدة للتلقّي. مما أدى لحدوث استقطاب في المجتمع، فأحد الطرفين صدر عنه ردّ فعل عنيف، دفاعًا عن معتقداته، فارتدّ إلى الرّجعية أكثر. والآخر فَقَدَ كلّ قِيَمه الروحانية ووقع في هوّة القلق الوجوديّ ونسبية كلّ شيء.

لم ينجُ من هذا الخطأ إلا ذو الوعي العالي من أمثال فرج فودة، ونصر حامد أبو زيد. ومن هنا بالذات تأتي أهمية هذا المقال، فعلى الرغم من أنه كُتب في منتصف الأربعينات، إلا أنه تنبّأ  تمامًا بقدوم الكارثة، وحاول وضع حلول مقترحة لها، مع استبعاد ما قد يكون فاسدًا منها. وكانت أهمية نقله للعربية أنّ تلك الكارثة انتقلت كالعدوى من غرب أوروبا إلى الشرق الأوسط تحت ضغط العولمة، فبينما كان لثقافات أخرى عوامل دفاعية، مثل الحضارة الشرق اسيوية عمومًا واليابانية على سبيل المثال التي تمسّكت بقيمها التقليدية فلم تفقد هويتها بالكامل؛ تماهت الثقافة العربية بشكل سيّئ مع الثقافة الغربية، فلم تنتقل إليها الحداثة الغربية بعيوبها ومميزاتها، لكن انتقل إليها فقط التحديث، مع كلّ الكوارث الفكرية للحداثة، فأصبحت ترى المشاكل الفكرية للغرب تحت غطاء الثقافة الشرقية.

وكان المقال قد نُشر في عدد أيلول (سبتمبر) سنة 1947 من مجلة اطلانطيك الشهرية.

كتابة: ولتر ستيس 
ترجمة وتقديم: عبدالله أمين
مراجعة وتعديل: أسماء الخولي

إعلان

1

أصدر الأساقفة الكاثوليك في أمريكا مؤخرًا بيانًا قالوا فيه أنّ حالة الارتباك والفوضى التي تُنهك العالَم الحديث تعود إلى هجر البشر للإيمان والدين والإله. من جانبي، أنا لا أؤمن بأيّ دين إطلاقًا، لكنني أتفق تمامًا مع تصريح الأساقفة، على الرّغم من أنه تبسيط مُخِلّ غير وافٍ لحالة معقّدة متعدّدة الأسباب يقبع فيها العالم الحديث اليوم. لكن من زاويةٍ ما وبعد القبول بدرجة من التبسيط، فكلام الأساقفة على جانب من الصحة.

يصِف جان بول سارتر – الوجودي الفرنسي – نفسه بأنه ملحد، ومع هذا تبدو آراؤه  داعمةً لموقف الأساقفة، حيث يقول “طالما اعتقد البشر بوجود إله في السماء، فيمكنهم الركون إليه كمرجع أخلاقي … فحكم إله أبويّ ودود للكون جعله مسكنًا آمنًا للبشر؛ إذ أنّ المؤمن واثق أنه مهما عظُمت قوى الشرّ، فلابدّ أن ينتصر الخير ويسود على قوى الفساد في النهاية. لكنّ الأمور انقلبت بعد أن أطاحت العلوم بعرش الله السماويّ؛ فتحوّل العالَم من مكانٍ يحكمه كيان روحانيّ إلى ماكينة عمياء حيث لا يوجد موضع بين تروسها لأيّ شكل من أشكال المُثل”. لكنها– المُثل– يمكن أن توجد داخلنا، ولذلك يجب علينا اختلاق مُثلنا العليا من عقولنا، يجب أن تنبع من وجداننا الخاص، وهذا لأنّ العالم حولنا ميّت، فارغ من الروح. مع الوضع في الاعتبار أنّنا لا نعيش في كونٍ يأخذ جانبنا، أو تمثّل قِيَمنا أيّ فارق له.

عبّر برتراند رسل عن نفس الرأي منذ سنوات مضت في مقاله المعنون بـ (عبادة الإنسان الحُر): “يقدم لنا العِلم عالمًا بلا غاية، مفرّغًا تمامًا من المعنى، لذلك ومن الآن فصاعدًا، يجب على مُثلنا وقيمنا أن تجد وطنًا … فـفي عالم لا يفرّق بين الخير والشرّ، مُمعِن في التدمير مستعرضًا قوّته المطلقة بطريقة لا هوادة فيها، يعيش الإنسان محكومًا عليه بالفناء. فاليوم يشهد موت أعزّائه وغدًا يعبر من نفس البوابة إلى ظلام المجهول. ليس لنا إذًا سوى أن نتمسّك بالأفكار السامقة التي تحيط أيّامنا المعدودة بهالة من النّبل قبل أن يقع المصير المحتوم، أن نتعبّد في ضريحٍ بنيناه بأيدينا، أن نتكبد المعاناة بمفردنا، كأطلس[1] متعَب لكن مثابر، حيث نشكّل العالم وطنًا طبقًا لقيمنا رغم أنف المسيرة الواطئة لقواه اللاواعية.

تختلف رؤية رسل لنتيجة اختفاء الدين عن رؤية الأساقفة، ورؤية سارتر، ورؤيتي. فيرى الأساقفة – وأنا بنفس الفريق –أنها كارثة مفجعة. ويرى سارتر أنّ الأمر “محزن للغاية”، ويفضح ضحالة موقف من يظنّ أنّ العالم سيستمرّ كما هو دون إله كأنّ شيئًا لم يحدث. فغياب الدين، من وجهة نظره، يخلق أزمة فظيعة، وأنا أوافقه الرأي. وعلى الجانب الآخر يوجد موقف رسل، الذي يرى أنّ إثم الدين أكبر من نفعه وأنّ اختفاءه سيحوّل العالم لمكان أفضل، لكنه يتفق وسارتر في رؤيتهما للعالم والعقل الحديث. حيث يؤكّدان على عبثية العالم، وحقيقة أنّ مُثل الإنسان لا يمكن سوى أن تكون من صنعه، وأنّ الكون حوله لا يسانده بأيّ شكل، وأنّ الإنسان وحيد بلا داعمين في هذا العالم.

وقد سلّط رسل الضوء على دور العلوم في إنتاج الموقف الحالي. كلامه على جانب كبير من الصّواب بلا شك، لكنه لا يوضّح كيف أوصلتنا العلوم الطبيعية لهذه النقطة، فيوجد مثلًا اعتقاد سائد أنّ بعض الاكتشافات العلمية المحدّدة أو النظريات، مثل نظرية التطور الداروينية، أو اكتشاف الجيولوجيين لعمر الأرض الحقيقي، وما شابه تلك الاكتشافات هو السبب الوحيد وراء انهيار القيم الروحية. بالطبع سيكون من الحماقة نفي أنّ تلك الاكتشافات قد ساهمت في تقويض الجزمية (الدوجما) الدينية، لكنّ هذه النظرة لا تنفذ لـلُبّ الموضوع. فبإمكان الأديان الصمود أمام أيّ اكتشاف علمي حديث، بل ويمكنها أن تتكيف معه، ولذلك فإنّ السبب الجذري لاضمحلال الإيمان ليس اكتشافًا علميًا محددًا، إنما روح العلم بشكل عام وبعض الافتراضات الأساسية التي اعتمد عليها العلم في بدايات القرن السابع عشر وما تلاه.

2

لقد كان جاليليو ونيوتن – على الرغم من أنّ نيوتن كان شديد التديّن – من دمّرا الصورة المريحة القديمة للعالَم الودود المحكوم من قِبَل قِيَم روحانية. وهذا الدمار ليس بسبب اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية، أو بسبب اكتشافات جاليليو العبقرية، لكن بسبب النظرة العلمية البحتة للكون التي ساهما مع باقي علماء هذا القرن في تأسيسها. ولم تكن تلك النظرة قاصرة على زمنهم، ولكنّها عبَرت إلى الأجيال التالية وصولًا للحاضر. وهكذا أصبح القرن التالي لنيوتن – القرن الثامن عشر– قرن التشكّك الديني، حيث لم ينتظر الشكّ اكتشافات داروين والجيولوجيين في القرن التاسع عشر، لكنّه اجتاح العالم مع نهضة العلم.

وبالتالي لم تكن الفرضية الكوبرنيكية، أو أيّ من اكتشافات نيوتن وجاليليو هي السبب الحقيقي، فقد يتمكّن الدِّين من نسج علم الفلك الحديث بداخل شبكته المعرفية، لكنّ المنحنى الفاصل الحقيقي بين إيمان العصور الوسطى وتشكّك العصور الحديثة كان هجر علماء القرن السابع عشر لما يسمّى بـ (الغائية).
العلّة الغائية لشيء ما هي الغاية المرجوّة من وراء وجود هذا الشيء والوظيفة التي يؤديها في الكون، بمعنى آخر، هدفه الكوني؛ فعلى سبيل المثال، يمكن تفسير الغاية من وجود الشمس والقمر بالقول أنهما قد خُلقا ليُمدّا البشر بالضّوء. ويقبع خلف هذا المعنى افتراض مسبق بوجود خطّة كونية حيث لكلّ شيء غاية حتى إن لم نكن قادرين على معرفتها، ويمكن التوصّل إلى هذه الغاية عن طريق تحليل الدَّور الذي تلعبه الأشياء في هذه الخطة.
وهكذا، فإنّ الإيمان بالغائية بمثابة الإيمان بأنّ الكون محكوم بغاية، وغالبًا ما تكون غاية عقلٍ متعالٍ (لوجوس). وهذا الاعتقاد ليس اختراعًا مسيحيًا، فهو منتشر في كلّ أركان الثقافة الغربية، سواء في العالم الوثني القديم حيث آمن به سقراط وأفلاطون وأرسطو، أو في العصور الوسطى ذات النزعة الدينية، وحتى نهضة العلم في القرن السابع عشر.

وكان مؤسّسو العلم الحديث – جاليليو ونيوتن وكيبلر على سبيل التّعداد لا الحصر– رجالًا متديّنين. لم يشكّكوا أبدًا في الخطة الإلهية، ومع ذلك فقد أخذوا تلك الخطوة الثورية المتمثّلة في إقصاء التفسير الغائيّ المسيطر على الطبيعة عن علومهم الطبيعية الجديدة، وكان هذا بسبب معرفتهم أنّ الرّكون إلى الغائية غير مجدٍ لهدف العلم الأساسي؛ وهو التنبؤ بالأحداث والتحكم بها، فالتنبّؤ بالكسوف، يجب أن تُعرَف مسبّباته لا الغاية من ورائه. ومن هنا، أصبحت علوم القرن السابع عشر تدور بشكل حصريّ حول الأسباب وتمّ الإعراض عن مفهوم الغائية وتجاهله تمامًا. وهذا الإعراض، على الرّغم من كونه صامتًا وغير ملحوظ، إلا أنه كان أعظم ثورة في تاريخ البشرية ويفوق في أهميته أيّ ثورة سياسية تردّد صداها بين جدران العالم.

ذلك أنّ ما جرى هو أنه خلال الثلاثة قرون الماضية، تشكّلت في عقول البشر، التي استمرت هيمنة العلوم عليها، صورة خيالية جديدة عن العالم. والعالَم – وفقًا لهذه الصورة –أجوف، فارغ من المعنى، مجرّد من الأهداف، حيث ما الطبيعة إلا مادة في طَور الحركة، ليست محكومة بهدف، بل بقوانين وقوى عمياء. يقول وايتهد – الذي أُدين إليه بكتاباتي في هذا الجزء–  عن الطبيعة من هذا المنظور: “مجرّد حركة للمواد، بلا نهاية، وبلا هدف”.

يمكنك رسم خطّ واضح يقسم تاريخ اوروبا إلى عصرين غير متساويين في الطول، هذا الخطّ يمرّ بحياة جاليليو، حيث آمن الرّجُل الأوروبي قبل هذا الخط – سواء كان وثنيًّا قديمًا، أو مسيحيًّا حديث العهد – بكونٍ محكوم بغاية يسير حسب خطة مسبقة، ولكن بعد جاليليو اعتقد الرجل الأوروبي بكونٍ بلا غاية تمامًا، وتلك هي الثورة العظيمة التي أشرتُ إليها.

 

والتحوّل الصّامت من الغائية إلى العدمية هو ما قضى على الدّين. فقد استطاع الدّين أن ينجو من الصدمة التي سبّبها اكتشاف مركزيّة الشّمس لا الأرض، أو أنّ أسلاف الإنسان تعود للرئيسيات – القرود والسعادين– أو أنّ عمر الأرض مئات الملايين من السّنين. ومع أنّ هذه الاكتشافات قد حدّت من القدرة التفسيرية المطلقة لبعض المسلّمات الدينية وحصرتها في أزمنتها المنصرمة، مجبرةً رجال الدين على إعادة قولبتها في أُطُر فكرية جديدة، إلا أنّها لم تمسّ جوهر الرؤية الدينية بسوء، المتمثّل في الإيمان بوجود خطّة إلهية وغايةٍ نهائية لكلّ شيء، وحيث للعالم نظام أخلاقي، وأنّ كلّ شيء يتحرّك نحو الأفضل. ويعبّر هذا الإيمان عن نفسه في العديد من العقائد المختلفة كالمسيحيّة والهندوسية والإسلام، ومن الممكن مهاجمة وتقويض تفاصيل تلك العقائد بدون تدمير جوهرها. لكنّ هذا الجوهر لا يمكنه النجاة إذا تمّ خنق الاعتقاد في الخطّة الإلهية والغاية من الحياة، لأنّ هذا الاعتقاد هو قلب الإيمان وجوهر الروح الدينية. يمكن للأديان التكيّف مع أيّ جديد في الفيزياء، والأحياء، والجيولوجيا، والفلك، لكن لا يمكنها التكيّف في عالمٍ فارغٍ من المعنى والهدف. فإذ كان الكون بلا معنى وبلا غاية، فإنّ حياة الإنسان، كانعكاس شرطيّ، بلا معنى وبلا غاية أيضًا، فيصبح كلّ شيء بلا قيمة ويذهب كلّ جهد سدىً. قد يستمرّ البشر بالطبع باللهاث خلف غايات مختلفة مثل الشهرة، أو الفنّ، أو العلوم، وقد يستطيع من يظفر بها أن يشعر بالسعادة، لكن ستظلّ حياته مجوّفة، بلا محور تدور حوله، وهكذا تدرك كمّ الاستياء، والخذلان، والتشويش القابع في روح الإنسان الحديث.

وتمثّل هذه الصورة لعالَم بلا غاية وحياة بلا معنى ركيزةَ فنون وفلسفات العصر الحديث. وطبقًا لأكثر الفلسفات المميّزة في هذا العصر، بدايةً من هيوم في القرن الثامن عشر ووصولًا للوضعيّين اليوم، فإنّ حقيقة العالَم هي ما نراه من هذا العالَم وما نستقبله بحواسّنا لا أكثر، حيث لا مجال لمزيد من التساؤلات. فلا يوجد سبب لكونه بالشكل الحالي، وإن اتّخذ كلّ شيء شكلًا آخر فلن يكون لهذا سبب أيضًا. فعندما تكون قد أحصيتَ كلّ شيء يحتويه العالَم لن يبقي شيء للإضافة، حتى من قِبَل كائن كلّيّ العلم. ومن هذا المنطلق، يصبح أيّ سؤال عن سبب كون الأشياء بهذا الشّكل والغاية من وجودها سؤالًا بلا معنى لأنّ الأشياء لا غاية لها من الأصل، على سبيل المثال، لا يوجد في الفلسفة الحديثة ما يسمّى بمعضلة الشر، حيث يفترض هذا السؤال بشكل مسبق أنّ الألم والبؤس جزء من خطة كونية يخدمان فيها سببًا منطقيًا وعقلانيًا حتى لو لم نستطع إحصاء أو فهم تلك الأسباب. لكن بالنسبة للعقل الحديث – حيث أنّ الإيمان بالعبثية هو جوهر تكوينه–  ما هذا إلا هراء، إذ لا توجد عقلانيةٌ ما تحرّك الكون أصلًا. وتتواجد بالتوازي مع تلك الفلسفة الجوهرية للعقل الحديث، التي تبشّر بغياب المعنى عن العالم، فلسفات أخرى مثالية تدّعي أنّ العالم روحانيّ بالأصل، وأنّ القيم والمُثل الأخلاقية متأصّلة بكينونته. لكنّ تلك الفلسفات المثالية ليست سوى تعبير عن الرومانتيكية، التي لم تكن سوى هجومًا مضادًّا من المتديّنين على النظرة المادية للكون. وعلى الرّغم من هلاك تلك المدارس مع الرومانتيكية في الفنّ والأدب، إلا أنها ما تزال تملك بعض الأنصار. تلك الفلسفات المثالية في جوهرها ليست سوى عمليّة مَنْطَقة لأمنيات الإنسان الخيالية ورفضه الاعتراف بالظلام الكوني المحيط به. فقد كانت تلك الفلسفات أوهامًا مريحة دافئة احتمت بها أكثر العقول ثقافة من رياح الكون الجليدية. لكنّها لم تصمد إلا قليلًا، وتحطّمت تاركة إيّانا في العراء تحت وطأة عالم عبثيّ بلا غاية.

3

ومع انهيار الرؤى الدينية للعالم، انسحقت تحت أنقاضها المبادئ الأخلاقية والمُثل. لأنه لو كان هناك غاية للكون، وإذا كان من طبيعة الأشياء النزوح للخير، لكان بإمكاننا تأكيد صحة مبادئنا الأخلاقية من خلالها. مبادؤنا التي إن لم نجد لها أساسًا خارجنا –سواء كان ذلك الله أو الكون– فيجب أن تكون من صنعنا. وهكذا جاء الاعتقاد القائل بأنّ القواعد الأخلاقية ما هي سوى تعبير عن أهوائنا. لكنّ أهواءنا بطبيعة الحال متغيّرة، فما يعجب شخصًا أو شعبًا أو ثقافة ينفّر الآخر، ولذلك فالأخلاق نسبية تمامًا.

ومع ازدهار النهضة العلمية في أوروبا تمّ القضاء على الغائية بوتيرة متسارعة وحلّت محلّها العدمية والنسبية الأخلاقية التي نجد لها حضورًا في فلسفة هوبز على سبيل المثال. يرى هوبز أنه إذا كان لا يوجد غاية للكون، فلا توجد قيمة أيضًا: “الخير والشرّ ما هي إلا أسماء تدلّ على أهوائنا وشهواتنا التي تتغير بتغيّر الزمن والعادات والتقاليد والعقائد، فكلّ شخص يطلق على ما يرضيه خيرًا، وعلى ما يضره شرًا.”

أصبحت نسبية الأخلاق عقيدة كامنة في العقلية العلمية حتى من قبل أن يتمّ تأكيد مصداقيتها من قِبل دراسات الأنثروبولوجيا الأخيرة. وتُمثّل هذه العقيدة خطرًا على الأخلاق لأنها تقوّض أساسها التقليدي بأكمله. ولذلك حاول العديد من الفلاسفة ممن استشعروا الخطر، منذ عصر كانط على أقل تقدير، أن يشيّدوا أساسًا علمانيًا للأخلاق. قد تنجح هذه المحاولة من الجانب الفكري والنظري، حيث أنه من الممكن بناء رؤية أخلاقية غير دينية للعالم. لكن يظلّ السؤال إذا كان بالإمكان تحقيق نجاح عملي، بغضّ النظر عن مدى صلاحية الطرح مع المثقفين، هل بإمكانه استبدال المؤسسة الدينية البائدة لدى العامة من الناس. وبينما ينوط بهذا السؤال مستقبل الحضارة بأكمله، فإنّ الكارثة تجتاحنا بالفعل.

وهذا الاعتقاد السائد بنسبية الأخلاق بين الفلاسفة، وعلماء النفس، وعلماء الأعراق، وعلماء الاجتماع، ليس سوى انعكاس نظريّ للتنصّل من المبادئ الأخلاقية الذي نراه يوميًا في حياتنا العملية، وخاصة في مجال السياسة والدبلوماسية، حيث لا يوجد للأخلاق أيّ موطئ قدم. فلم يعد أحد يؤمن بشكل حقيقي بالمبادئ الأخلاقية إلا في نطاق التحيّزات الخاصة بالفرد أو الأمة أو الثقافة، وهذه هي النتيجة الحتمية لعقيدة النسبية الأخلاقية والتي بدورها نتيجة حتمية لعالم بلا غاية.

وتظهر سمة أخرى لأزمة العالم الروحية الحالية، ألا وهي الكفر بحرية الإرادة، الذي هو بمثابة ثمرة الرّوح العلمية بأكملها وليس نتيجة اكتشاف معيّن. إنّ العلم بأكمله قائم على الحتمية، فكلّ حدث يمكن التنبؤ به بدقة عن طريق معرفة سلسلة الأسباب التي أدّت إلى حدوثه، وعلى الرّغم من أنّ الفيزياء الحديثة – ميكانيكا الكم – تتحدّى الحتمية، إلا أنّ النتائج العملية للحتمية تشير إلى أنّ الضّرر قد وقع منذ زمن. ووَفْق هذا المنظور فإنّ أفعال البشر هي أحداث طبيعية مثلها مثل كسوف الشمس، مما يعني قابليتها للتنبؤ كغيرها من الظواهر الطبيعية. ولنفترض جدلًا أنّ بمقدورنا أن نتنبأ بأنّ جون سميث سيقتل جوزيف جونز في الساعة الثانية والربع ظهرًا في الأول من يناير عام 1963، فهل، عندما يحين وقت ارتكاب الجريمة، ستكون لحرية جون سميث في اختيار القتل من عدمه أية قيمة؟ وإذا لم يكن حرًّا فكيف لنا أن نحمّله المسؤولية؟

بمقدور أيّ فيلسوف كشف ما تنطوي عليه هذه الفرضيّة من مغالطات المنطقية، لكنّ القصد أنّ عملية التحليل المطلوبة لتوضيح المغالطات دقيقة لدرجة أنه لا يمكن لرجل عاديّ غير مُلمّ بالفلسفة أن يفعلها. ولذلك فإنّ الحجج ضدّ الإرادة الحرّة يتمّ قبولها بشكل واسع بين عامة الناس. ولذلك انتشر الاعتقاد بجبرية الإنسان وأنه مجرّد دمية في يد قوى لا يحكمها، وأصبح هذا الاعتقاد جزءًا من عقلية الإنسان الحديث. وهكذا أصبحنا نسمع عن الحتمية الاقتصادية، والحتمية الثقافية، والحتمية التاريخية. وعن عدم تحكّمنا بأفعالنا لأن غُددنا تسيطر علينا، أو لأننا نتاج الطبيعة والوراثة، وهكذا ستختفي الرقابة الذاتية على أفعالنا الأخلاقية، ويصبح من واجب الطبيب، والمعالج النفسي، والمثقّف منعنا من فعل الشرّ، وستنجح العقاقير والأمصال في المستقبل في فعل ما عجز المسيح والرُسل عن فعله. بالطبع أنا لا أنفي أنّ الأطباء والمفكرين يمكنهم، بل وواجب عليهم، المساعدة، ولا أقصد الاستخفاف بمجهودهم بأيّ شكل من الأشكال، ولكنّني أودّ فقط لفت الانتباه إلى ضعف الضوابط الأخلاقية وارتفاع الصّوت المُطالِب بالتنصّل من المسؤولية الشخصية في أوساط الثقافة الشعبية.

4

حسنًا إذًا، ما هو الحلّ؟ أين نبحث عن الخلاص من شرور زماننا؟ إنّ الحلول التي طُرحت حتى الآن هي، من وجهة نظري، حلول  غير مجدية. تنطلق هذه الحلول من ثلاثة أوساط مختلفة: الوسط الفلسفي والوسط الديني والوسط العلميّ. وسأعرض فيما يلي كل وسط مفنّدًا الحلول التي يقدّمها.

لنبدأ بالحلول التي يقدّمها الوسط الفلسفي. أنا أثق بقدرة الفلاسفة والمثقفين على إيجاد حلول للمساعدة، لكنّ مجال حركتهم، للأسف، ضيّق. فخياراتهم تنحصر في إيضاح أنّ كلًّا من الحتمية والنسبية الأخلاقية لا تقفان على أرض صلبة، ومحاولة اكتشاف أساس جديد علماني للأخلاق كبديل عن الأساس الديني المقوّض. ويحاول بعض الفلاسفة القيام بهذه المهمة لكن تواجههم عقبتين كبيرتين تَحُولان دون إحرازهم أيّ تقدّم. العقبة الأولى هي أنّ الفلاسفة مختلفون في تصوّراتهم للحتمية والنسبية الأخلاقية فيما بينهم؛ وتلك النقاشات مربكة للجمهور غير الفلسفي. والعقبة الثانية هي أنّ تأثير هؤلاء الفلاسفة ضئيل جدًّا على الجموع لأنّ نقاشاتهم تحدث على مستوى لا يمكن للعامّة من غير المشتغلين بالفلسفة متباعته إطلاقًا.

وبالنسبة للوسط الديني، فقد وصف الأساقفة الرّجوع للإيمان بالإله والعقيدة المسيحية كحلّ للأزمة. بينما اقترح آخرون أنّ الحلّ يكمن في ديانة جديدة. لكن لم يستطيع كِلا الفريقين إدراك كافة جوانب الكارثة الروحية التي تحيق بالبشر وكم هي فريدة في التاريخ، بحيث لا يوجد بينها وبين أيّ وضع سابق أيَّ تشابه ولو جزئي. ربما ظنوا أنّ الوضع مماثل لانهيار الديانات القديمة لليونان والدولة الرومانية، عندها قامت المسيحية سريعًا بملء الفراغ الروحي الذي خلّفته تلك الديانة، ولو لم تظهر المسيحية في ذلك الوقت لاستبدلتها الميثرانية[2]. ويحيلنا هذا التشابه إلى الظنّ بأنّ الحلّ يكمن في استبدال المسيحية بدين آخر، أو أنّ إعادة تجديد المسيحية قد تعيد الصحة إلى حياة الناس الروحية.

لكنني لا أظنّ أنّ هناك أيّ تشابه بين الحالة الراهنة للبشر وبين زمن سقوط الوثنية عندما فقدت البشرية في ذلك الوقت الإيمان بعقائد معينة وتجليات محدّدة للرؤية الدينية للعالم. فقد أصبح من الجنون الإيمان بأن زيوس ومجمع الآلهة يعيشون فوق جبل الأوليمب، حيث يمكنك الصّعود لقمّته وبالطبع لن تجد أيّ أثر لهم. ولا يعني موت تلك النظرة المحدّدة، أو هذا الشكل المحدّد من الدين، موتَ الدين كـكُلّ! حيث بقيت الصورة الخيالية لعالمٍ يحكمه هدف سائرًا نحو الخير سليمةً لم تُمسّ، وتلك الصورة هي جوهر الدّين، كان فقط على هذا الجوهر أن يعيد تشكيل نفسه على هيئة عقيدة جديدة.

لكنّ الوضع الآن مختلف تمامًا. فليست المشكلة قاصرة على رفض العقلية الحديثة لمسلّمات دينية بعينها، كالولادة العذرية للمسيح، فما هذا إلا تشخيص سطحيّ لمشكلة الدّين. فالتشكّك الحديث مختلف تمامًا عن تشكّك قدماء الفلاسفة. فالشّكّ الحديث لم يهاجم أشكالًا معينة وسطحية من الدين وحسب، ولكنه نفَذ إلى جوهر التديّن نفسه ودمّره، محى الإيمان بعالم له غاية. ومن أجل تأسيس ديانة جديدة، يجب أن يظهر مسيح جديد أو بوذا جديد، وهذا حدثٌ غير وارد على الإطلاق، بجانب أننا لا نملك رفاهية الانتظار. وحتى إن ظهر أنبياء جدد في هذا العصر فمن المحتّم أن يفشلوا، فلم يعد أحد يؤمن بشكل جذري بجوهر رسالتهم، لم يعد أحد يؤمن بعالم له معنى وغاية، فالجموع تتملّكهم صورة عالم عبثيّ، وهذه الصورة بيئة قاتلة لأي دين في المطلق وليس المسيحية فقط..

ويجب ألا ننخدع بالصّحوات العرضية للروح الدينية. فقد عُرف عن البشر، أنه أثناء نكباتهم و إحباطهم من خواء حياتهم، يولون وجوههم شطر الدّين مرة أخرى أو يبحثون عن رسالة جديدة. وهذا تصرف متوقع من أرواح منكسرة تواقة إلى الدفء والأمان الذي توفّره شعلة الإيمان، فكلما خبت عملوا على تأجيجها، لكنهم لن ينجحوا هذه المرة مهما رغبوا وحاولوا، فقد انطفأت الشعلة وهيهات لها أن تتّقد في حضارتنا.

وأما الوسط العلمي فيقترح العلم أو الروح العلمية كأداة لخلاصنا. وقاد كلّ من برتراند رسل وجون ديوي هذا الاقتراح كلّ على طريقته الخاصة. فبينما وضّحنا طريقة رسل سلفًا، يبدو أنّ ديوي يظنّ أنّ الاكتشافات الحديثة داخل علم الاجتماع، وتطبيق المنهج العلميّ لحلّ المشاكل الاجتماعية والسياسية، سوف تنقذنا. وهذا اعتقاد في غاية السذاجة، فليس من المنطقيّ أن يكون الداء – وهو العلم– هو الدواء، وهذا ليس لقصور في العلم، إنما نتيجة لروح العلم نفسها، التي من طبيعتها أن تخبرنا بأفضل الوسائل لتحقيق غايتنا، لكن يستحيل عليها أن تخبرنا أيّ الغايات المناسبة لنا، أو أن تُمدّنا بأيّ مُثل عُليا. ومشكلتنا هي في إيجاد المُثل، وليست في كيفية الوصول إليها.

5

لا يمكن لحضارة ما أن تعيش بدون مُثل عليا تتطلّع إليها، ودون إيمان راسخ بالمبادئ الأخلاقية. كنا في الماضي نملك مُثلًا وأخلاقًا قائمة على أساس ديني، لكنّ هذا الأساس قد تمّ تقويضه، وبالتالي فإنّ البنية الفوقية المتمثلة في الأخلاق والمُثل العليا تنهار بمعدل سريع. ولا يبدو أن أيًّا من الحلول المقترحة قد يحقّق أيّ شكل من أشكال النجاح. ولذلك قد يكون المصير المحتّم لحضارتنا هو الموت. نعلم طبعًا أنه من الممكن جدًّا لأفراد مثل صفوة المثقفين، والفلاسفة، والعلماء، والمفكرين بشكل عام أن يحيَوا حياة أخلاقية بدون أيّ معتقدات دينية، لكنّ السؤال الأساسي هو، هل بإمكان حضارة بأكملها، أو مجموعة كاملة من الشعوب، تتألف من مجموعة متفاوتة على المستوى العقلي والتعليمي، أن تعيش حياة أخلاقية بدون أساس ديني؟

وهذا يعني بشكل ما أنه إن استطعنا رفْع غالبية البشر إلى نفس مستوى تعليم القلة الموجودة الآن فقد ننقذ الوضع. ونحن بالفعل نتحرّك ببطء في هذا الاتجاه عن طريق التعليم الجماعي. ولكنّ السؤال الحاسم يتعلق بالمدة الزمنية التي ستستغرقها العملية، ربما خلال بضع مئات من السنين – إذا استمرّ التعليم بالمعدل الحالي – سيكون أغلب البشر متحضّرين ومتعلمين بشكل كافٍ حتى يؤمنوا بالمُثل العليا في غياب الدين. ولكن قد يكون معدّل انهيار حضارتنا أعلى من معدل ارتفاع نسبة المتعلمين، فكيف إذًا نعيش خلال الفترة الفارقة؟

أنا واثق من أنّ أول شيء يتعيّن علينا القيام به هو مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاتمة، ثمّ تعلّم كيفية التعايش معها. وسأقول ملاحظاتي عن كِلا النقطتين.
ما أحثّ على فعله في النقطة الأولى هو الصراحة التامّة مع النفس. فأولئك الراغبون في إعادة إحياء المسيحية مخادعون لأنفسهم وغيرهم – ليس بقصدٍ منهم طبعًا– فهم يفعلون ذلك بطريقةٍ لا واعية تتمثل في تسكين النفس بالأفيون والأحلام. أما أولئك الذين يبحثون عن دين جديد، فمَثَلُهم كمثل النوع الأول لكنهم يبحثون عن مخدّر جديد، وكلاهما يرفضان مواجهة الواقع وحقيقة أنه لا توجد خارج الإنسان أيّ روحانية من أيّ نوع، ولا اعتبار لقيمنا، ولا أب لنا في السماء، ولا مساعدة لنا من أي نوع. ولكي نكون صادقين تمامًا مع أنفسنا، يجب ألا نبحث عن المأوى في أوهام، قديمةً كانت أم جديدة، وألا ننغمس في أيّ أوهام حالمة على صلة بهذا الأمر.
إنّ محاججتي تلك ليست مبنية على أي تقديسٍ مجرّد للحقيقة، ففكرة أنّ الحقيقة هي القيمة العليا التي يجب أن نضحّي بكلّ شيء في سبيلها ليست منطقية بالنسبة لي، فإذا اكتشف شخص ما حقيقةً قد تُهلك البشرية، أيكون كتمانها، بل واستبدالها بالكذب، مبرّرًا؟ هل الحقيقة في هذه الحالة أهمّ من الطيبة والجمال والسعادة؟ إذا ظننت بأن الحقيقة فعلًا أهمّ، فأنت تخلق مطلقًا جديدًا، وهمًا دينيًا جديدًا حيث تحتلّ الحقيقة فيه عرش الإله. والسّبب الذي يدفعنا الآن لمواجهة الحقيقة بصدق وجرأة هو أنّ الكون لا أخلاقي، وغير مكترث بالجمال، أو الخير، أو السعادة، أو حتى الحقيقة؛ وهذا لا يعني أنه سيكون عملًا شريرًا أن تخفي تلك الحقيقة الكونية، لكن ببساطة قد فات الأوان لفعل شيء تجاهها، فلم يعد أمامنا خيار سوى المواجهة. ومع ذلك فنحن نقف مرتعشين على حافة الهاوية، فَزِعين من السقوط، ولهذا يجب علينا أن نتحلّى بالصدق مع النفس، وأن نتحلى بالشجاعة. أما بالنسبة للنقطة الثانية، وهي أهمية تعلّم التعايش مع الحقيقة؛ فهذا يعني أن تعيش باستقامة وسعادة، أو على الأقل برضا ودون أوهام. وهذا بالطبع صعب للغاية، لأنّ ما بدأنا بإدراكه الآن أنّ حياة البشرية في الماضي وسعادتها قد اعتمدت بأكملها على الأوهام. قد قيل أنّنا بالحقيقة نحيا وبالحقيقة نكون أحرارًا، لكن يبدو العكس تمامًا بالنسبة لي. فقد نجحت البشرية بالنجاة فقط عن طريق الأوهام، وهذا يعني أنّ الحقيقة قد تدمّرنا. لذلك قد يؤمن أحدهم، إن كان من أتباع برجسون[3]، أنّ الطبيعة قد زرعت الأوهام في نفوسنا لحثّنا على الاستمرار في الحياة.

وقد تعاطت البشريّة نوعين من الأوهام، أولهما هي الأوهام العملاقة، كالوهم الديني، والوهم بخيرية الكون واتّباعه خطّة نبيلة ينتج عنها بعض المُثل العليا، وانتصار الخير في النهاية؛ أما ثانيهما فهي أنواع عديدة من الأوهام الصغيرة التي تتغذى عليها سعادة الإنسان، فكم من وهم عن المحبوب اقتاتت عليه سعادة المُحب؟ وكم من مرة سقطنا ووقفنا مجددًا في سبيل أوهام مثل الشهرة والمجد والسلطة والأموال؟ وكم من مرة أخذت الأوهام شكل الرموز من أعلام، ورايات، وشعارات، وأوسمة، ومواكب، وطقوس؟ كلها رموز لوهم أو آخر. وسأضرب  الإمبراطورية البريطانية كمثال على هذا النوع، فقد قامت كلٌّ من علاقاتها الخارجية وبنيتها الاجتماعية على أوهام صغيرة. إنّ العلاقة بينها وبين مستوطناتها مستمرّة لعدة أسباب، أحدها وهم المَلكية، كما أنّ السعادة الناتجة من اقتران لفظ صوتي لا قيمة له باسم الشخص مثل “سيدي” أو “الكونت” أو “اللورد” وظنّه أنّه يميزه عن عامة الناس ويجعله من علية القوم لهو وهم آخر.

هناك فيض من الأدلة على أنّ سعادة الإنسان تتكوّن بشكل أساسي من أوهام. لكنّ الروح العلمية على النقيض، هي روح الحقيقة، عدوّة الأوهام، وبالتالي عدوّة سعادة الإنسان، ولذلك فمن الصعب جدًّا التعايش مع الحقيقة. لا يوجد سبب يدفعنا للتخلّي عن الأوهام الصغيرة التي تجعل الحياة محتملة، لا يوجد سبب ليستخدم المحب الطريقة العلمية لفحص محبوبه، وحتى أوهام الشهرة والمجد ستبقى، لكن سينتهي الوهم الأكبر، وهم العالم الخيِّر، اللطيف، والكون ذو الغاية والخطة المحكمة. والطلب بأن نعيش مع تلك الحقيقة، ليس أكثر من الطّلب بأن نصبح كائنات متحضرة فعلًا، لا كائنات تتظاهر بالتحضُّر (شبه متحضرة). ولإيضاح المقصود من “التظاهر بالتحضر” سأستحضر ما قاله لي أحد زملائي عندما كنت طالبًا جامعيًا؛ أخبرني زميلي، الذي كان مسيحيًا متعصّبًا، بأنه لو لم يكن مؤمنًا بالحياة الآخرة وبالجنة والجحيم لأصبح قاتلًا ومغتصبًا ولصًّا وسكّيرًا، وهذا بالضبط ما أدعوه شبه تحضّر. وعلى الجانب الآخر، فقد استطاع العديد من الأشخاص أن يعيشوا حياةً أخلاقية كريمة بعيدًا عن الدين، وليس هذا حكرًا على المفكّرين أمثال هكسلي وجون ستيوارت ميل وديفيد هيوم فبإمكان عامّة الناس الحصول على حياة متزنة بدون الحاجة إلى الدين. أن تكون متحضرًا بحقّ، يعني أن تكون قادرًا على العيش باستقامة وأمانة دون الاستناد على دعائم أو عكازات من الأحلام الطفولية التي سيطرت على فكر البشرية حتى الآن، لن أدّعي أنّ تلك الحياة ستكون ممتلئة بالنشوة والسعادة الغامرة، لكنها ستكون حياة وديعة، هادئة، تتقبل فيها ما لا ليس لك يد فيه وما لا يمكنك تغييره، ولا تتوقّع المستحيل، وتكون سعيدًا بالمعجزات الصغيرة، هذا ما أضمنه لك. بالطبع لا أنكر أنّ هذا الدرس صعب على البشر أن يتعلّموه، لكنّني أؤكد أنه ليس مستحيلًا، لأنّ العديد بالفعل قد طبّقه.

لم تنضج البشرية بعد بشكل كافٍ، فما زال الإنسان يستنجد بالسماء ويعيش في عالم من الخيالات. وقد وصل جنسنا ذروة العقدة، فهل يمكن له أن يمرّ بنفس مراحل نضوج الفرد؟ هل يمكنه أن يدخل في مرحلة الرجولة متخليًا عن أحلام الطفولة وأوهام المراهقة؟ هل يمكنه أن يدرك العالم على حقيقته كما هو، قاسٍ وكئيب دون أحلام رومانسية أو أوهام دينية، وأن يحافظ رغم ذلك على مُثله وقيمه ساعيًا لتحقيق غايات عظيمة، وإنجازات نبيلة؟ فإن كان يستطيع، فقد يصبح كل شيء على أحسن ما يرام، وتسير العقدة نحو الحلّ. وإن لم يستطع، فمن الوارد جدًّا أن يرتدّ إلى الهمجية والوحشية التي خرج منها، عائدًا إلى تلك المكانة الوضيعة بين أدْنَى الحيوانات.

 

[1] أطلس (Atlas): هو أحد الجبابرة الوارد ذكرهم في الأساطير الإغريقية. حكمت عليه الآلهة بأن يحمل السماء فوق كتفيه إلى الأبد عقابًا له على مشاركته في ثورة الجبابرة ضدهم.

[2] الأسرار الميثرانية : ديانة غامضة انتشرت في الامبراطورية الرومانية من القرن الأول للقرن الرابع الميلادي. توجد أوضح بقاياها في روما وأوستيا ومورتانيا وبريطانيا الرومانيتين وفي مناطق قرب الدانوب والراين وكلها متعلقة بالإله الفارسي ميثرا.

[3] هنري برجسون: برغسون (18 أكتوبر 1859 – 4 يناير 1941)، فيلسوف فرنسي. حصل على جائزة نوبل للآداب عام1927. يعتبر هنري برغسون من أهم الفلاسفة في العصر الحديث، كان نفوذه واسعًا وعميقًا فقد أذاع لونًا من التفكير وأسلوبًا من التعبير تركا بصماتهما على مجمل النتاج الفكري في مرحلة الخمسينيات، ولقد حاول أن ينفّذ القيم التي أطاحها المذهب المادي، ويؤكد إيمانًا لا يتزعزع بالروح. حظي إبّان حياته بشهرة واسعة الانتشار في فرنسا تؤثر في دوائر مختلفة: فلسفية ودينية وأدبية. حدث له العكس تمامًا بعد وفاته، إذ حدث انصراف تام أو شبه تام عن فلسفته حتى صارت تقبع في ظلال النسيان ابتداءً من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم خصوصًا وقد اكتسحتها الوجودية تمامًا.

مصدر MAN AGAINST DARKNESS
تعليقات
جاري التحميل...