تأخذك إلى أعماق الفكر

الاقتصاد غير الرسمي: مقدمة بسيطة

الاقتصاد غير الرسمي : سوق العتبة
0

(أولًا) ما هو الاقتصاد غير الرسمي؟

 عند سماع مصطلح الاقتصاد غير الرّسمي تتبادر إلى أذهاننا الأشياء الممنوعة، والأنشطة غير القانونية مثل: تجارة المخدرات، أو تجارة الأعضاء البشرية، أو تجارة العملة، وهذه معلومات منقوصة؛ لأنّ هذا الصّنف من النشاط الاقتصاديّ يشمل مجموعة واسعة من الأنشطة التجارية والاقتصادية التي تحدث بعيدًا عن الدفاتر الرسمية، أو “من تحت الترابيزة”  بعيدًا عن القوانين والضرائب.

وبالتأكيد هناك بعض من هذه الأنشطة تخرج عن القانون مثل: تجارة المخدرات والدعارة وغسيل الأموال، لكنّ أغلب أنشطة الاقتصاد غير الرسميّ مشروعة مثل: الرجل الواقف على ناصية الشارع يبيع فاكهة، أو المربية أو الخادمة التي تساعد نساءنا في البيوت. 

إعلان

ويُذكر أنّ للاقتصاد غير الرسميّ Informal Economy مسميات أُخرى مثل: اقتصاد “تحت الارض” أو اقتصاد الظلّ أو اقتصاد غير منظّم أو اقتصاد خفيّ أو السوق السوداء. كلّ هذا شيء واحد سَمِّه ما شئت!

(ثانيًا) أساليب قياس الاقتصاد غير الرسمي:

بالطبع هناك صعوبة كبيرة في قياس حجم هذا الاقتصاد وهذا أمر متوقع؛ لأنه من العسير أن تُجبر الناس على الكشف عن كلّ أنشطتها، وتشارك مثلًا في مسح “الأجور والإنفاق” الذي يجريه مركز التعبئة والإحصاء، أو تسأل الولد الذي يبيع عصير البرتقال على ناصية الشارع  عن عدد الساعات التي يشتغلها، وتكلفة المعدات والمدخلات التي يستخدمها. 

ولا تتوقع أيضًا أنّ المتهربين من الضرائب أو بائعي الحشيش يكشفون لك عن أوضاعهم الاقتصادية وقوائمها المالية بأمانة وصراحة.

مع هذا ابتكر علماء الاقتصاد عدة أساليب لإيجاد تقدير تقريبيّ لحجم الاقتصاد غير الرسمي، ربما أهمها مايلي:

١- الفرق بين الدخل الإجمالي وإجمالي النفقات.

إعلان

أولى الطرق التي يستخدمها علماء الاقتصاد لتقدير حجم الاقتصاد الخفيّ هي النظر في الفرق بين” الدخل الإجمالي للبلد” المسجل  و”إجمالي النفقات”، فلو كانا متساويين تقريبًا؛ فإنّ الأمر يعني عدم وجود اقتصاد غير رسمي، لكن لو لاحظت أنّ الناس ينفقون أكثر مما يحصلون عليه من إيرادات بشكل رسمي وأكثر مما يقترضونه أيضًا؛ فلابدّ أنّ هناك أموالًا تأتي من مكان آخر.

وعلى هذا فإنّ الفرق بين الاثنين يشير بشكلٍ كبير إلى حجم هذا الاقتصاد غير الرسمي.

2- الطلب على “الكاش”

ينظر علماء الاقتصاد أيضًا في الطلب على” الكاش” لأنّ معظم المعاملات -إن لم نقل جميعها- التي تتم في إطار الاقتصاد غير الرسمي عادة ما تكون نقدًا أو كاش.

لا تتوقع مثلًا أنّ البائعين الجائلين في سوق العتبة بالقاهرة يقبلون  فيزا أو يشترون بشيكات. وكلّما كبر حجم “الكاش” في أي اقتصاد كان حجم الاقتصاد غير الرسمي كبير في البلد.

٣- استهلاك الكهرباء. 

 يمكن لعلماء الاقتصاد قياس حجم الاقتصاد غير الرّسمي من خلال الزيادة في استهلاك الكهرباء عن المستوى الملائم للنشاط الاقتصادي والسكني بالدولة. وتعدّ الكهرباء مؤشرًا قويًا على إجمالي النشاط الاقتصادي، ودون شكٍ فإنّ أصحاب الاقتصاد الرسمي يحتاجون مزيدًا من الكهرباء لممارسة أنشطتهم. 

لذلك إذا كان استهلاك الكهرباء مرتفعًا، وكان الناتج المحلي الإجمالي منخفضًا؛ فإنّ علماء الاقتصاد يدركون أنّ الاقتصاد غير الرسمي نشط ومزدهر.

 

(ثالثًا) تقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي عالميًا:

يقدّر علماء الاقتصاد حجم الاقتصاد غير الرسميّ بتريليوناتٍ من الدولارات على مستوى العالم. ففي الدول المتقدمة يحوز هذا الاقتصاد حجمًا صغيرًا، ويساوي حوالي 10% – 20% من الناتج المحليّ الإجمالي. ويمثّل عدد العاملين في القطاع غير الرسمي نحو ٦١٪؜  (أي ملياريّ شخصٍ تقريبًا) من إجمالي القوى العاملة بكافة دول العالم.

ويتراوح حجمهم في الولايات المتحدة الأمريكية بين (1 إلى 2) تريليون دولار سنويًا على مدار العشرة سنوات الأخيرة.

أما في الدول النامية فإنّ الاقتصاد غير الرسمي يمثل أكثر من ثلث إلى نصف الناتج القومي الإجمالي حسب تقديرات البنك الدولي. وتقول منظمة العمل الدولية: أنّ الاقتصاد غير الرسمي يعمل به نحو نصف العمالة أو أكثر من ثلاثة أرباعها -مع استبعاد العمالة في قطاع الزراعة- في الدول النامية.

وفي الهند على سبيل المثال يعمل نحو 90% من العاملين في وظائف غير مسجلة، بعيدًا عن أعين الحكومة، كما أن بعض القرى تقوم جميع أنشطتها على الاقتصاد غير الرسمي.

الاقتصاد غير الرسمي
الاقتصاد غير الرسمي

إذا كان الجزء الأكبر من نشاط القطاع غير الرسمي مشروعًا ، فهناك جزء صغير منه يتناول التجارة غير الشرعية حول العالم. وتمثّل الجريمة المنظّمة حسب أحدث تقرير للأمم المتحدة نحو 870 مليار دولار سنويًا، أي 1.5% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وتمثل تجارة المخدرات -الشريحة الأكبر في ذلك- نحو 320 مليار دولار.

أما تزوير الأموال فيُدر على أصحابه نحو 250 مليار دولار سنويًا. وهناك مليارات أخرى تأتي من الاتّجار في البشر بين الدول. وتمثل التجارة في أخشاب الأشجار -في المناطق الممنوعة في الغابات الاستوائية- نحو 3.5 مليار سنويًا. ويقوم المهربون أيضًا بقتل الأفيال؛ للحصول على العاج، وقرون الخراتيت وعظام الفهود.

ولقد طالب الاتحاد الأوربي مؤخرًا من الدول الأعضاء أن تبذل جهدًا أكبر في إحصاء أنشطة الدعارة داخل إجمالي الناتج المحلي لدولها، ولقد حاول بعض علماء الإحصاء حسب صحيفة النيويرك تايمز تقدير متوسط سعر الحجرة في بيت دعارة إسباني، ومتوسط أجر “العاهرة” في ” الجلسة”.

حاولت بريطانيا هي الأخرى أن تقدّر قيمة تجارة الجنس والمخدرات بها، ويرى مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني أنّ مبيعات المخدرات والجنس مثلت نحو 17 مليار دولار في عام 2009.

(رابعًا) تقنين بعض الأنشطة غير المشروعة في الاقتصاد غير الرسمي:

نظرًا لأنّ تعاملات هذا الاقتصاد تتم بعيدًا عن عين الحكومة؛ فإنّ البيع والشراء خلالها يعدّ أمرًا محفوفًا بالمخاطر مثل: أسواق تجارة الأعضاء ومنها: تجارة “الكُلى” في بعض الدول، وغالبًا ما يحصل البائعون للكُلى على سعر أقلّ من المتّفق عليه قبل الجراحة، بينما لا يحظى المرضى المتلقّون للكُلى على الرعاية والعناية الطبية الكافية، وأحيانًا لا تتوافق الكُلى نفسها مع أجسام المتبرّع لهم. وبالطبع هنا أيادي الناس مغلولة فهم لا يتمكنون من الشكوى للسلطات لأن هذا نشاط غير قانوني.

 لهذا السّبب دعا عدد من علماء الاقتصاد والأخلاق إلى تقنين هذا النشاط، ويرون أنه من الأفضل للحكومة أن تضع بعض القواعد المنظمة في هذا السوق؛ لأنه في المقام الأول ستوجد هذه النوعية من الأسواق شئنا أم أبينا سواء كانت هناك لوائح منظمة أم لا، كما  أنّ السماح للناس ببيع الكُلى يساهم في حلّ مشكلة نقص العرض.

ومع هذا فإنّ تقنين هذا السوق في الحقيقة أمر له مَخاطِره؛ لأنه ليس من المعقول أن نقبل أن يبيع الفقراء أعضائهم من أجل إطعام أطفالهم!

(خامسًا) لماذا الاهتمام بالاقتصاد غير الرسمي؟

١- تشير العديد من المؤسسات العالمية مثل: منظمة العمل الدولية إلى أنّ العامل في الاقتصاد غير الرسمي لا يتمتع  بنفس الميزات التي يتمتع بها نظيره في القطاع الرسمي مثل: التأمين والمعاش، فضلًا عن ظروف العمل السيئة، وأحيانًا وليس دائمًا زيادة في الفقر. وغالبًا ما يعمل في هذا القطاع الأطفال والنساء والمهاجرون وهو الأمر الذي يؤثر على إنتاجية العامل بوجه عام، وإنتاجية الاقتصاد ككل.

٢- يشير علماء الاقتصاد إلى أن وجود قطاع غير رسمي كبير يُصَعّب على الحكومة إعداد إحصاءات هامة مثل: إحصاءات البطالة والدخل وبالطبع يترتب على ذلك سياسات خاطئة و مضللة. وإذا كان بمقدور  الاقتصاد غير الرسمي أن يُمَثّل ملاذًا وحماية مؤقتة للأفراد والاقتصاد ككل، إلا أنه يمكن  أن يطلق العنان لدائرة شريرة؛ حيث يؤدي تخفيض العمالة في الأحوال الاقتصادية الصعبة الى خروج أفراد من الاقتصاد الرسمي إلى اقتصاد الظلّ أو الجمع بينهما؛ بحثًا عن لقمة العيش، ومن ثَمّ توقفهم عن دفع  الضرائب، وما يترتب على ذلك من تراجع الإيرادات الحكومية، وعندها تواجه الحكومات اختيارين: إما أن تخفض الإنفاق، أو تزيد الضرائب. وهنا تظهر الدائرة الشريرة؛ لأن ذلك يؤدي بالطبع إلى زيادة أعداد الناس الذين يلتحقون بالسوق غير الرسمي لتعويض ما فقدوه من دخل وهكذا…

(سادسًا) إدماج الاقتصاد غير الرسمي في الرسمي.

تحتاج هذه النوعية -التحوّل من اقتصاد تحت الأرض إلى اقتصاد رسمي- إلى جهود متنوعة كبيرة، أولها: تسهيل الخطوات الإجرائية والقانونية لإنشاء الشركات والورش الصغيرة، وحلّ مشاكل قوانين تسجيل الملكية بالشهر العقاري، وتشجيع البنوك على توسيع نشاطاتها التمويلية إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتمويل المصغّر.

هذا إلى جانب الدفع بإجراءات توسيع مظلة الشمول المالي؛ لإتاحة الخدمات المصرفية للفئات المحرومة.

تدقيق لغوي: ياسمين الشريف.

تعليقات
جاري التحميل...