تأخذك إلى أعماق الفكر

“البحث عن أم كلثوم” والجرأة في ذاتية التجربة!

0

– ليه حطمتِ صورتي؟
– تعبت من شهرتك وعظمتك.
بذلك الحوار البسيط الذي دار بين “أم كلثوم” والشخصية الرئيسية للعمل نتعرف على خصائص التجربة ككل، وأن مخرجة العمل “شيرين نيشات صنعت فيلم “البحث عن أم كلثوم” لنفسها قبل أن تصنعه للجمهور.

“البحث عن أم كلثوم” لا يُعتبر بحثًا في حياة الست، أو سيرة ذاتية لها، بل يعتبر سيرة ذاتية لتكوين شخصية الست “أم كلثوم” في عقلية مخرجة العمل، فلم تعتمد في رواية قصتها على دقة التاريخ المرئي أو المقروء عن الست، ولم تعتمد على تصميم أزياء تاريخية صحيحة حتى، بل شوّهت كل شيء بقدر ما تستطيع، فكان الفلاحون يرتدون أزياء البدو، وكانت أماكن التصوير ضعيفة التصميم لأقصى حدّ وقد تصل للرداءة البالغة في الكثير من الأحيان.

وقبل الخوض في تفاصيل أخرى، دعني أسرد ما تدور حوله أحداث الفيلم.

إعلان

المخرجة “ميترا” تسعى لصنع فيلم عن الشخصية الأشهر عربيًا على المستوى الفني، بالطبع نقصد “أم كلثوم”. تبحث المخرجة عن ممثلة تستطيع القيام بالدور، فتجد في النهاية ضالتها المنشودة في “دعاء” وهي فتاة تعمل كمعلمة وتذهب للكاستينج لأن أصدقاءها يؤمنون بحلاوة صوتها، فيتم قبولها ويُطلب منها السفر مع طاقم العمل فترفض في البداية ولكن مع إصرار “ميترا” مخرجة العمل توافق على ذلك.

لجأت مخرجة العمل إلى طريقة فيلم داخل فيلم للتعبير عن قصتها المنشودة، فيوجد لدينا الفيلم الأكبر والذي بطلته “ميترا” المخرجة الإيرانية الشابة التي تخرج من إيران حتى تتمكن من صنع الفيلم وتترك ابنها الصغير خلفها مع وجود مشاكل عائلية كثيرة، وبداخل تلك الحكاية توجد حكاية “أم كلثوم” –من وحي خيال ميترا- وحكاية صنع فيلم عنها من بطولة الفتاة “دعاء” والتي جسدتها “ياسمين رئيس”.

فإذا اعتبر المشاهد الفيلم سيرة ذاتية لـ”أم كلثوم” سيواجه أزمة صحية وصيحات غاضبة أثناء مشاهدته، والسبب واضح، لأنك إذا اعتبرته سيرةً ذاتيةً ستجدها لم تقدم إلا الإهانة لكوكب الشرق، وللأسف اعتقد جميع من شاهده أنه كذلك لأن اسم الفيلم والتريلر الخاص به وحتى البوستر بل والنبذة المختصرة تهيئ لذلك تمامًا، حتى وأن أول اسم يظهر على الأفيش هو اسم “ياسمين رئيس” المجسدة لأم كلثوم في حين أن بطلة الفيلم فعليًا الممثلة “نيدا رحمنيان” المجسدة لشخصية “ميترا”، وهيّأت المشاهد بتلك الكيفية الخاطئة ومشاهدته لفيلمٍ آخر غير ذلك الذي كان مهيأً لمشاهدته هو أكبر سلبيات العمل الكثيرة جدًا.

أما إذا اختلفت الرؤية لدى المشاهد، واعتبر الفيلم سيرة ذاتية لـ”أم كلثوم” كما في عقل المخرجة “شيرين نيشات”، سيتعامل مع فيلمٍ شديدِ الذاتية، فقد وصلت “أم كلثوم” في عقل المخرجة حد الهوس، وللتخلص من هذا الهوس كان لابد من كسر “أم كلثوم” وتحطيم هذه الأسطورية الضخمة، وهذا ما نجح فيه الفيلم وبقوة، وأكبر الدلائل على ذلك –كما ذكرت مسبقًا- عدم الاهتمام إطلاقًا بالديكورات والأزياء، وكأن الفيلم يوضح أن مخرجة الفيلم فعلًا (تعبت من عظمة أم كلثوم) فتحاول بشتى الطرق بث العبثية في كل شيء.

تأتي “شيرين نيشات “بممثلين أجانب غير مصريين بلهجة مختلفة ليقدموا أدوارًا مهمة في الفيلم، وأهمهم الممثل الفلسطيني “قيس ناشف” الذي جسد دور “أحمد فؤاد نجم” ابن القرية رغم أنّ لهجته تظهر للجميع وبكل وضوح بأنها اللهجة الشامية، وأيضًا الممثل المغربي “محمد بويح” الذي جسد شخصية الرئيس المصري الراحل “جمال عبد الناصر” برغم أنه لا يشبهه على أقل تقدير بل وحتى طريقته في تقليد “عبد الناصر” صوتيًا كانت سببًا أساسيًا للسخرية من الفيلم.

كل ذلك لم يكفِ “شيرين نشأت” مخرجة العمل لتحطيم “أم كلثوم” –التي لن تتحطم- بل أضافت أن “أم كلثوم” شخصية مهزوزة إلى أقصى حد، عديمة الثقة بنفسها، وأهم المشاهد التي أوضحت ذلك مشهد الحفلة الأهم في تاريخ “أم كلثوم” حيث يحضر “عبد الناصر” حفلتها لأول مرة فتتلعثم وتفقد القدرة على غناء “أنت عمري” وسط اندهاش الجماهير وسخطهم.

إعلان

كل الحديث السابق لا يُؤثر بالسلب على تقييم الفيلم إطلاقًا، لأن هذا ما سعت لتقديمه مخرجة العمل بالفعل، لم تستند للوقائع التاريخية لنتهمها بتشويه التاريخ مثلًا، بل عملت على تكسير أسطورية “أم كلثوم” في عقلها وليس في عقل كل مستمٍع للست، أي أنها قدمت السلبيات الكثيرة في فيلمها لتعبر عن فكرتها بالأساس، ولذلك هو فيلم ليس للجميع فعليًا، لأنه مُفعم بالذاتية والتشتت، لأن مخرجته صنعته للتخلص من أسطورية “أم كلثوم” في عقلها وليس في عقل كل مشاهد.

نقد “البحث عن أم كلثوم”:

وبعيدًا عن ذاتية التجربة التي تجعل اختلاف الحكم على الفيلم شيئًا أساسيًا، إلا أن هناك سلبيات ليس لها علاقة بالأساس بذاتية التجربة وأهمها الخلفية الضعيفة لما يحدث في حياة “ميترا”، وكما ذكرنا فإن “ميترا” هي الشخصية الرئيسية في العمل، وأكبر سلبيات العمل هو عدم رسم خلفية الشخصية بشكل واضح، فكل ما نعرفه عنها أنها تركت ابنها في إيران وأنها قلقة عليه، وبعد مرور بعض الوقت في أحداث الفيلم نجدها تعاني نفسيًا لأن ابنها في خطر، ما هو هذا الخطر؟ لا يتم ذكر ذلك، وهو السبب الرئيسي في عدم إيجاد نقطة للتعاطف مع الشخصية طوال أحداث الفيلم.

من أكبر سلبيات الفيلم أيضًا هو ضعف الأداء التمثيلي، وحقيقةً لا أعلم ما هو الغرض من أن كل طاقم العمل أجنبي باستثناء “ياسمين رئيس” مجسدة دور “أم كلثوم”، مع العلم أنه لا تشبهها بأي حال من الأحوال! أليس الهدف من الأساس تكسير الهالة المقدسة للشخصية؟ فلماذا لم يتم استخدام ممثلة أجنبية أيضًا وتظهر لغتها بالركيكة بدلًا من الاستعانة بممثلة مصرية بحجم “ياسمين رئيس” لتلعب دورًا مساعدًا؟
ولكن يجب أيضًا ذكر أن الممثلة “نيدا رحمنيان” قد قدمت عملًا مميزًا في تجسيد شخصية “ميترا” .

على المستوى البصري لم يكن الفيلم مميزًا في أي شيء بل ظهرت الكثير من اللقطات والكادرات بشكل سيئ ومزري، باستئناء لقطات بسيطة تستحق الاهتمام على مستوى الألوان وتقسيم الكادر، لكن ما دون ذلك لا شيء يستحق الاهتمام.
على المستوى السمعي أيضًا لا يوجد ما يجذب الانتباه، فمن المفترض أن “أيمن بوحافة” هو من صنع موسيقى الفيلم، ولكن حتى هذه اللحظة وأنا أكتب لا أتذكر أنني سمعت موسيقى في الفيلم من الأساس!

خاتمة

فيلمٌ له ما له وعليه ما عليه، مُعبَّأ بالذاتية المفرطة، ولم يُبدِ اهتمامًا بأم كلثوم الحقيقية، وهو ما سبّب الهجوم الكبير على الفيلم، وهو ما كانت تدركه المخرجة “شيرين نيشات” وعبرت عنه في أحداث الفيلم، حيث يظهر في العديد من اللقطات امتعاض المنتجين ممّا تفعله “ميترا” في حياة أم كلثوم، بل ويحدث بينهم العديد من المواجهات، وتتوقع “شيرين نيشات” ما سيتم اتهامها به بعد صدور الفيلم في أحداث الفيلم نفسه، حيث يوجِّه أحد المنتجين كلماته للآخرين مُتحدثًا عن “ميترا” قائلًا: لقد جُنَّت تمامًا، وهو بالفعل ما تم اتهام “شيرين نيشات” به بالفعل.

فريق الإعداد

إعداد: محمد محمود

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

تعليقات
جاري التحميل...