تأخذك إلى أعماق الفكر

جـوهر خلاف الشيعة مع سواد المسلمين

0

يخبرنا ابن خلدون -في كتابه المُقدّمة، عن معنى الخلافـة بمنظـور أهل الجماعة في الفصـل (٢٥) المعنـون باسم “في معنى الخلافة والإمامة”- أنّ المُلك حقيقتهُ هي الاجتماع الضروري للبشر وَالذي منه تنشأ الدولة فيكون مرجعها القوانيـن السياسيـة التي ينقـاد لها الكلّ، كمثال دولة الفرس وَالروم. بعدها يذكـر أنه إذا كانت مشرّع هذه السياسـة ومقرّرها هو الله فإنها تكون سياسـة دينيـة نافعة في الدُنيا وَالآخرة، وَهذا الحُكم بمقتضى الشريعة هُو مقصد الخلافة.

وفي فصـل (٢٦) المعنـون باسم “في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصـب”،ورد أنّ الخلافة هي نيابة عن صاحب الشريعـة في حفظ الدين وَسياسة الدُنيا وَالتي تسمّى “خلافة وَإمامة”. وَلاجتماع البشر لزُم تنصيب إمام ليُسلَّم إليه النظر في أمورهم -وَالذي مثّلهُ بعد وفاة النبي محمد (أبا بكر الصدّيق) وَذلك بإجماع الصحابـه وَالتابعيـن- وَعند تنصيبه يوجـب على الخلـق جميعاً طاعتهُ.. وَيستدِلّ ابن خلدون بالآية “أطيعـوا الله وأطيعـوا الرسول وأولي الأمر منكُم”. وَمن أَولى الشروط المتوفّرة في الخليفـة هي العلم، المقصـود به “العلـم الظاهر”، وذلك لأنّ الخليفة مُنفّذ لأحكام الله فوجب أن يكون مُجتهـداً (١).

وَكانت رؤية (أبي بكر) هي إجماع الناس لمصلحتهـم، حيث اختاروه والياً لأمورهم راعياً لها، لأن النبيّ أحلّ لهُم أن يختاروا لأنفسهم ما فيـه مصلحتهم (٢)، لذا صار التعهّـد بالخلافة بعدهُ -كما يقول (عبد الرحمن بن عوف الزهري، الذي كان من المُفترض أن يكون الخليفة الثالث- أنّ من شروط الخليفة أن يسيـر بكتاب الله، سنة نبيـه، وسيرة أبو بكر وَعُمر (٣) وَالتي ستتطـور لاحقاً؛ فيقول أبو الحسن علي الأشعري، أنّ أتباع السلـف من يتبعـون أئمة الدين هم (الجماعـة) التي هي خلف الإمام سواء كان براً أو فاجراً (٤). وَيورد (ابن الجوزي) حديث عن عُمر بن الخطاب (من أراد منكُم بحبوحـة الجنـه فليلزم الجماعـة فإن الشيطان مع الواحد وَهُو من الاثنين أبعد). وَيروي عن النبي (يد الله مع الجماعـة، وَالشيطان من يخالف الجماعة) (٥).

إعلان

بذلك صار الأئمة الذين جعلهُم شهداء على عباده هُداة لجميـع أمة محُمد، وَصار الإجماع أصلاً من أصول الدين وَالجماعة هي “الأمة الوسطى”، فبذلك يكُون الحقّ مع الأكثريه وَالسواد الأعظم (٦). وَيقـول الشهرستانـي أنّهم تلقّوا أركان الاجتهاد الأربعـة (الكتاب، السنّة، الإجماع والقياس) من إجماع الصحابة حيث كانوا أول من اجتهد بالأحكام (٧). وَمفهُوم (الاجتهاد) أُسقط على الحوادث لتبريرهـا، مثلاً ورد في مقدمة ابن خلدون ص٢٠١، في مقتل الحسين، أنه شهيـد مثاب وَهو على حق وَاجتهاد وَالصحابه الذين كانوا مـع يزيد على حقّ أيضاً لأنهُم اجتهدوا؛ وَأيضاً بعد أن قتـل خالد بن الوليـد (مالك بن نويرة) وَتزوج أمرأتهُ لأنهُ أعجب بها أنكر أبو بكر ذلك، فقال خالد ( ياخليفـة الله إني تأوّلت وَأصبت وَأخطأت)!

كانت (الشيعة) حركـة مُضادّة لسلطـة الجماعـة؛ في (أصول الكافي مجلد الأول ص ٨٨ حديث [١٩٨]) عُمر بن حنظله يسأل أبا عبدالله الصادق… حديث طويل نهايتهُ عن الأحكام : “فما وافق حكمـهُ الكتاب والسُنة وخالـف العامة فيؤخـذ به وَيُترك ما وافق العامة!” حديث صريـح بمُعاكسـة أمر السواد الأعظم من المُسلمين، لكن لماذا؟

يقـُول ابن خلدون في المُقدمة (فصل (٢٧) ص١٨٣) أنّ الشيعة متفقون أنّ الإمامة ليسـت من المصالـح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة بل هي قاعـدة الإسلام وَيعينها الرسـول وَلا يجوز أن يغفلها. وفي (المناقب ج٢ ص ٢٨) في الآية “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ” (المائدة : ٦٧) نزلت في غدير خم في (علي بن أبي طالب) وَتأويلها: بلّغ ما أنزل عليك في علي ليلة المعراج لأنهُ -(المُحتضر ص ٣٧٣) عن (حمران بن الأعين) عن (أبي جعفر الباقر)- في الآية “دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى” أنّ الله أدنى مُحمدًا نبيـه فلم يكن بينـه وَبينهُ إلا قفص من لؤلؤ فيـه فراش يتلألأ ذهبًا فأرُي صورة علي بن أبي طالب وَأوحى إليـه (اتخذهُ ولياً) (٨). وَفي كتاب (سليم بن قيس)، الحديث (الحادي عشر)، عن غدير خم عن الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي”، كبّر النبي وَقال (الله أكبر، تمام نبوتـي وَتمام دين الله ولاية عليّ بعدي)، وَقال (يا أيها الناس إنّ الله أمركم في كتابه الصلاة فقد بينتها لكُم، وَبالزكـاة وَالصوم وَ الحج فبينتها لكُم، وَأمركم بالولايـة أنها لهذا خاصة، وَوضع يدهُ على علي بن أبي طالب ثم لابنَيـه ثم للأوصياء لايفارقون القرآن) (٩). بذلك فإنّ الدِّين لدى الشيعة (خصـوصٌ) لا (عامـيّ)، وَالخلافـة وَالإمامه حصر؛ وَهي أمر إلهيّ وَليس بشريّاً، لذا في (أصول الكافي ، مجلد ١ حديث [١٨٩]) عن سليـم بن قيس يسأل أمير المؤمنيـن (علي) أنهُ سمع من سلمان وَالمقداد وَأبي ذرّ من تفسيـر القرآن وَالأحاديث غير ما في أيدي الناس، وَهو حديث طويل لكن يذكر فيـه (… إنّ أمر النبي مثل القرآن ناسـخ وَ منسوخ وَخاصّ وَعامّ وَمحكم وَمتشابه، وَإنّ لكلام الرسول وجهان: عام وَخاص)، بعدها يقول علي (قد كنت أدخل على الرسول “دخلة” كلّ يـوم وَكل ليلة فيخلينـي فيها أدور معهُ حيث دار)؛ بمعنى أنّه لديه من النبي علم خـاص غير مُنكشـف للعامة. وتبعاً لذلك، كان التقليد وَالاجتهاد وَالرأي مُحرّم عند أئمة الشيعة -راجع أصول الكافي (باب التقليد) وَالباب الذي يليـه (باب البدع وَالرأي وَالمقاييس)-

المؤسسة الدينية الشيعيـة اليوم، وَالتي يناط بها التشريـع وَالسيادة على الأمة عبر الإفتاء، هي حركه مُتأخرة في تاريخ التشيّـع وَالتي تطورت من ولايةِ فقيهٍ تشريعية إلى ولايةِ فقيهٍ عامة بحيث يصبح المُجتهد وليّ المُؤمنين ليس فقط في السلطة التشريعية بل وفي الدولة أيضاً (١٠)، وَذلك قطعاً تطوُّرٌ حديث تحكّمت بـه الظروف السياسية وَالاستعمارية وَالاجتماعية وَالرغبة في التسلّط من قِبَل رجال الدّيـن وَتأثير حركة النهضة التي قام بها جمال الدين الأفغاني وَتلميذه محمد عبدهُ! لذلك، عند الشيعـة، استُبدِل مفهُوم أهل الجماعة وَالأمة بـ(أهل الصفوة). وَاستدلال القرآني حديث طويـل عن المُفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد (سلوا آل محمد) ص١٢٢ _ ١٢٧، يسرد الآيات المُخصصة في إبراهيم “وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ”، أي من الذرية من يستحقّ الإمامة دون الظالمين وَأنها لخواصّ المؤمنيـن وَالإمام المعصوم (أي غير المُدنّس) معصـوم من الخطأ، هو الخاصّ الأخصّ، لذلك وضعت الإمامة في أبي الذرية علي بن أبي طالب. وَكون الإمام معصومًا فبذلك لا تصـحّ العصمة إلا للخواصّ، لذلك أمرُها من عالم الغيب؛ وَالإمام مُسدّد بـ “روح القدس” (أصول الكافي مجلد ١، حديث [٧١١]). المفضّل بن عُمر عن الصادق يسألهُ عن “علم الإمام”.. أنّ في الإمام روحَ القدس، به حمل النبـوة فإذا قُبض النبي انتقل روح القدس إلى الإمام، وَروح القدس لا ينام و لا يغفل و لا يلهو.

وَتوصف هذه الروح أنها (عمود من نار) بين الأئمة وبين الله (المحتضر عن الرضا ص ٢٧٦). وَكما قلنا، بما أنّ الجماعه قالت بشرط العلم الظاهر في الخليفة ليكون مشرّعًا في أمور الفتية، فإنّ العلم عند أئمة الشيعة سرّي (كمال الدين وتمام النعمـة. الصدوق بن بابويـه). عن أبي جعفر الباقر ص٢١٥ أنّ العلم هبط مع آدم وَلم يُرفع، وَالعلم يتوارث وَهُو مخصوص في بيت. وَفي الحقيقة أنّ الرؤية الشيعيـة موروثة وَمشتركة مع الرؤية اليهودية وَالمسيحية.

ففي العهـد القديم أُُقيم الكهنوت من قبل الله، لذلك في (خروج ٢٨ : ١) حيث قال لموسى “وَقَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكْهَنَ لِي”، بذلك الكهنة مختارون من الله. وَيقول (بولس الرسول) في (عبرانين ٥ : ٤) “وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا “، حيث الدعوة إليها إلهية وَليست بشرية. وَيعقب القديس (كيرلس) بقصة (داثان وَابيرام وَقورح) الموجودة في سفر العدد (الأصحاح ١٦)، حيث عارضوا اختيار الإلهي لبني هارون وَقالوا كلّ الجماعة مختارة من الربّ، فابتلعتهُم الأرض كعذاب. وَيقول (بولس) في عبرانين (٥ : ٥): “كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»” أي كما جاء في إنجيل متى (٣ : ١٣_١٧) عندما صعد يسوع من الأردن، إذ انفتحت السماوات فرأى روح الله نازلاً كحمامة، وَصوتاً من السماوات قائلاً “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”. وَأيضاً في أشعياء (٤١ : ٨) “وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي” (١١) (١٢)، بحيث أنّ الإمامه وَالمسيحانية في اليهودية وَالمسيحية اختيار رباني وَاختراقها اغتصاب؛ وَمثلت صورة (هارون وَيشوع بن نون) كـ (صورة مُسبقة . PreFiguration) للمسيـح وَعلي بن أبي طالب؛ في سفر (العدد ٢٧ : ١٨_١٩): “فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ يَشُوعَ بْنَ نُونَ، رَجُلاً فِيهِ رُوحٌ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ. وَأَوْقِفْهُ قُدَّامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَقُدَّامَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ، وَأَوْصِهِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ “. وفي ( مناقب آل أبي طالب ، ج٣ ص٧ ) عن الآية: “إنما وليكُم الله وَ رسولهُ” (المائدة : ٥٥) أنّ رهطاً من اليهود أسلموا وَمنهم (عبدالله بن سلام) جاءوا للرسول وَقالوا إنّ موسى أوصى ليوشع بن نون فمن وصيـّك وَمن ولّيت بعـدك؟ فقام الرسول إلى المسجـد وَقاموا معـه حيث كانت حادثة تصـدق علي بالخاتم أثناء الصلاة فقال الرسول لهُم (علي بن أبي طالب) وليّكُم بعدي . لذلك رأى الشيعـة أنّ السواد الأعظم وَأهل الحشـو هُم أتباع ملوك وَسمّوا جميعاً (مرجئة)، حيث زعموا أنّ (أهل القبلة) كلهُم مؤمنون بإقرارهم (الظاهر) من الإيمان (١٣). لذلك بالخطبـة (الشقشقيـة) يقول علي بن أبي طالب (والله لقد تقمصها أخو تيم (أي أبو بكر) وَإنه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطـب من الرحى، ينحدر عني السيـل وَ ا يرقى إليّ الطير… ) وَعلى نفس المبدأ للكتاب المُقدس فإنّ الإمامه باختيار البشر تعتبر اغتصابًا.

إعلان

المراجـع :
١) مقدمة أبن خلدون
٢) تاريخ اليعقوبي
٣) نفس المصدر
٤) مقالات الاسلامين و أختلاف المُصلين ابي الحسن علي بن إسماعيل الاشعري
٥) تبليس ابليس ابي الفرج بن الجوزي البغدادي
٦) اختلاف اصول المذاهب القاضي نعمان بن محمد
٧) الملل و النحل ابي الفتاح الشهرستاني
٨) المحتضر في تحقيق معاينة المحتضر النبي وَ الأئمه حسن بن سليمان الحلي العاملي
٩) كتاب سليم بن قيس الهلالي الكوفي
١٠) الاجتهاد و التقليد و سلطان الفقيـه و صلاحيته شيخ محمد مهدي الأصفي
١١) تعاليم القديس كيرلس السكنـدري أعداد : الأب جورج دراجاس
١٢) Israel and the Land Jan Mortensen
١٣) المقالات و الفرق سعد بن عبدالله القمي

 

تعليقات
جاري التحميل...