تأخذك إلى أعماق الفكر

رهاب تعلّم لغة جديدة.. وهل من مسكّنات للحدِّ منه؟

10171752 - young man talking with alphabet letters coming out of his mouth
0

يعاني الكثير من الأشخاص من صعوباتِ تعلم لغة جديدة. وعلى وجه الخصوص يواجه البالغون صعوبة ومشقّة في اكتساب لغة جديدة ،مقارنةً بالأطفال، الأمر الذي يعود لاكتمال نموِّ الروابط العصبيّة في أدمغتهم والمسؤوولة عن تعلِّم لغةٍ أخرى.

وفي تفصيلٍ أكثر، يُعزى سبب الصعوبة الملموسة في تعلم لغة جديدة إلى عاملينِ أساسيِّين ومهمّين، فالسبب الأوّل هو أنّ الدماغ بحاجة إلى تشكيلِ أُطرٍ إدراكيّة ومعرفيّة جديدة لهذه اللغة. والأمر الآخر، هو الحاجة إلى ديمومة ممارسة هذه اللغة بلا انقطاعٍ وتوقّف. وهذا ما يفتقر إليه معظم متعلّمو أي لغة جديدة. وبالتأكيد فإنّ السببين يعملان جنبًا إلى جانب معيقاتٍ أخرى تَحدّ من كفاءة هذه العمليّة.

لذلك، نُناقش في هذا المقال ثلاثة عوامل مفصليّة تنتج عنها صعوبات تعلّم لغة جديدة، ثمّ نُرشدُك بعدها لاتّباع ستّ خطوات تُسهّل عليكَ مهمّة تعلم اللغة التي تريد وتضفي عليها بعضًا من الأمل.

إعلان

أولًا: تركيبَة الدماغ

أشار أحد الأبحاث إلى أنّ التوصيلات الدماغيّة الفريدة يمكنها مسبقًا تحديد نجاح تعلّم اللغة الجديدة. وفي دراسةٍ أُجرِيت في جامعة مكغيل بكندا، تمّ فحص أدمغة المشاركين قبل خضوعِهم لـ12 أسبوعًا لتعلّم مساقِ اللغة الفرنسيّة بشكلٍ مكثّف. وجدَ الباحثون، بعدها، أنّ المشاركين الذين يجيدون التحدّث والقراءة لديهم قوّة وترابط أكثر في التوصيلات الدماغية. ممّا يعني أنّ بعض الأشخاص، ببساطة، لديهم قدرة واستعدادًا دماغيًّا أكبرمن غيرهم لاكتسابِ لغةٍ جديدة. وفي نفس الوقت، ليس على أيِّ شخص أن يأخذها حجّة تمنعه من محاولة تعلّم لغة أخرى. فمحاولة تحفيز دماغك وحدها أمرٌ جيّد.

ثانيًا: منهجيّة تعلم لغة جديدة

قد تختلف الطُرق التي يحاول فيها الشخص تعلم لغة جديدة. من الدراسة في الخارج أو التطبيقات المتخصّصة أو التحدّث مع شريكٍ لغويّ إلى حضور حصص اللغة المكثّفة. رغمَ تلك الطرقِ كلِّها، إلّا أنّه من الجليّ جدًا أنّ البالغين بعيدون كثيرًا عن أسلوب التعلّم الضمنيِّ الموجود لدى الأطفال، حيث إنه باستطاعة الأطفال اكتساب هذه اللّغة بمرافقة أحدِ متحدّثيها طوال اليوم ولكنّ الأمر مختلفٌ تماماً بالنسبة للبالغين. ولسوء الحظ، فإنّ أدمغة البالغين تعدُّ الأكثر تطوّرًا وتعقيدًا، لذا فهي تعترضُ طريق تعلّمنا للغة ما.

ومن المعروف أنّ معظم البالغين يميلونَ لتكديس ومراكمة مفردات اللغة الجديدة كطريقة تُسهِل عمليّة تعلّمها، ولكن عادةً ما تواجههم صعوبة في تمييز كيفيّة تركيبِ هذه المفردات بشكل قواعديٍّ ونحويٍّ سليم. ويشير بحث من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأنّ ميل البالغين نحو المبالغة في تحليل المدلولات والمفردات تحولُ بينهم وبين معرفة الفوارق اللّغويّة البسيطة، وهذا الجهد لا يعودُ عليهم بأيِّ نفعٍ كان، كما أشار البحث، بل بدورهِ سيُصعّب عملية تعلّم هذه اللغة بشكلٍ أكبر.

وبما يتعلّق بهذا الصدد، تلوم الشابّة كاتي نيلسون فكرة تعليم أو تعلّم اللغة كموضوع. فتقول:” في حصّة التاريخ، تبدأ بتعلّم التسلسل الزمنيّ لوقوع بعض الأحداث. وهذه الفكرة لا تنطبق على تعلّم اللغة، فمن غير المتوقع أن تُذاكر وتحفظ الكثير من المفرات والقواعد اللغويّة ثم تكون قادرًا على التحدّث بهذه اللّغة” وهذا تمامًا ما يسمّى التعامل مع اللّغة من منظور موضوع فقط، بدليل قدرتك على استخدام هذه المفردات والقواعد لوصف اللّغة وليس لاستخدامها.”  وتُضيف:” أنّه من الأفضل النظر لعمليّة التعلّم على أنّها شيءٌ عمليّ لا معرفيّ. ويكمنُ العلاج المناسب للوصولِ لهذه النظرة في نزع رداء المثاليّة أثناء التعلّم، وسَلْك أكثر من طريق أثناء مسيرتك التعليميّة أو ما تُعرف بالطريقة الفوضويّة، بغضّ النظر ما إذا كانت عن طريق تطبيقات متخصّصة أو من خلال حصص اللّغة أو السفر. المهم أن تتقبّل فكرة ارتكابك للأخطاء في كثير من الأحيان، فلا سبيل للتعلّم إلّا من خلالها.

إعلان

ثالثًا: أوجهُ الشبه بين اللّغات

دائمًا ما نظهر تعاطفًا حينما يتعلّق الموضوع بمدى صعوبة تعلّم لغة تختلف بصورةٍ كبيرة للغاية عن لغتنا الأم. خذ على سبيل المثال، معاناة المتحدّثين بالإنكليزية عند تعلّم الكوريّة، وقِس عليها أيضًا معاناة المتحّدثين بالتايلنديّة عند تعلّمهم للعربيّة. والمثير للاهتمام، ما أظهرته الدراسات من كونِ هذه الصعوبات ترجِع لتفضيلات عصبيّة في الدماغ بعيدًا عن كونها اختلافات شخصيّة. وقد بيّن بحث في معهد دوندرز وماكس بلانك لعلم اللّغة النفسيّ أنّ أدمغتنا لا تأبه لوجود تشابهات بين اللّغات مّما يجعلها تستخدم نحويّات وخصائص اللّغة الأم من جديد حتّى تشكّل من اللغة الأخرى نسقًا مشابهًا للّغة الأم. وتؤيّد البروفيسورة في علم اللغة النفسيّ نويرا ساجرا، بأنّ متعلّمي اللّغات المختلفة في تركيبها كلّيًا عن لغتهم الأم يواجهون تحّديًا كبيرًا في طريقهم نحو تعلّم لغة أخرى.

تقول ساجرا:

ستكون أقرب للنجاح في تعلّم اللغة الجديدة إذا كانت مشابهة كثيرًا للغتِكَ الأم. فمثلًا، من السهل على الروسيّ تعلّم الإسبانيّة، للوفرَة المورفولوجيّة أو ما يعرف بعلم التصريف في كلتي اللغتين.

لابدّ وأنّك فقدت الأمل من تعلّم لغة ما إثر العوامل الثلاثة تلك، لكن تمهّل فنحن هنا سنقدّمُ لك خطواتٍ ست تيسِّرُ لك طريق تعلّم اللغة التي أردت. ومن الجميل أنّ مهمة تعلّم لغة جديدة أمرٌ ممتع وموفّق بيدَ أنّه يستحقّ العناء كأيّ أمرٍ مهمٍّ آخر، فيتوجّب علينا أن نعاني من أجله لأهميته في حياتنا، إذًا ماذا باستطاعتك أن تفعل؟

1- تحديد الهدف من تعلّم اللغة الجديدة:

قد تتعدّدُ أغراض تعلّم لغةٍ ما، فمثلًا يتعلّمها البعض لأغراض مهنيّة، أو متعة ذاتية، أو للتواصل مع أفراد العائلة، أو لهدفٍ معيّن في أنفسهم. المهم هو أن تبدأ بالبحث عن الفرص التي تمكّنك من تحقيق هدفك واستقصاء الأمور التي تبعدك عن تحقيقه. فعلى سبيل المثال، المفردات التي تحتاجها للحديث عن عملك تختلف كليًّا عن تلك التي تحتاجها للتنقل في  أمريكا الشماليّة في رحلة ما. الخلاصة في هذه الخطوة، هي بالتركيز على الهدف العام لتعلّمك لغة أخرى حتى ما إذا باغتك الإنهاك والإرهاق عرفتَ حيَل مقاومتهِ.

2- تعلّم كما بفعل الأطفال:

إنّ عدم مرونة أدمغتنا كبالغين مقارنةً بالأطفال- الذين يسهم الانغماس واللّعب دورًا جوهريًّا في نجاح تعلّمهم- لا تمنعنا بأن نكون فضوليّون كما هم.والفكرة هنا هي محاولة الاكتشاف والاستمتاع بالتعلّم كما يفعل الأطفال. ولكن كما نعرف أنّ البالغيين يفضّلون أساليب تلقي المحاضرات بلغاتهِم أو الالتحاق ببرامج الدراسة بالخارج التي تدمج تعلّمهم للغة جديدة مع السفر والانغماس الثقافيّ.

3- لغتين لواحدة:

المقصود هنا، أنّك إن كنت مجيدًا للغةٍ أخرى غير لغتك الأم فمن المحبّب أن تبدأ بتعلّم لغة ثانية أيضًا قريبة أو مشابهة للتي تجيدُها- غير لغتك الأم. فمثلًا، إن كنت تجيد البرتغاليّة تعلّم الإسبانية وأما إذا كنت تجيد الألمانيّة فأمامك الهولنديّة أو الدنمركية لتعلّمها أيضًا، وكذلك السويديّة والنرويجيّة. فتجربتك السابقة لتعلّم لغة مشابهة ستساعدُك بشكلٍ كبير وأكثر فعاليّة هذه المرّة.

4- حفّز نفسك نحو تعلم لغة جديدة:

تقول انجيلا جرانت من جامعة ولاية بنسلفانيا:

يحتاج متعلّم اللغة الجديدة بصورة متكرّرة لدافعٍ يحفّزه نحو السعي وراء تعلّم هذه اللّغة. ودائمًا ما ترتبطُ هذه المحفّزات بنجاح هذه العمليّة من عدمه.

والآن، كلُّ ما عليكَ فعله هو محاولة إيجادِ دوافعك هذه، والتي قد تختلف من شخصٍ لآخر فمثلًا، دافع أحدهم يكون بشراء تذكرة طيران والذهاب لبلد اللغة الجديدة، آخرون يكتفون بشراء دفتر ملاحظات أنيق ينعشهم لتعلّم أشياء جديدة, والبعض الآخر ربّما يفضّل اكتشاف أجزاء من المدينة برفقة شريك لغويّ.. المهم في الأمر أن تجد هذه الدوافع وتستخدمها في إِتمام المهمّة.

5- حاصر نفسك باللّغة الجديدة:

ربّما يستغرب البعض كيف لهذا أن يحدث! لكن الأمر بسيط وكلّ ما يتطلبه الأمر هو أن تلتقي بأشخاص من متحدّثي اللّغة الأصليين أو بأبسط من ذلك عن طريق تغيير اللّغة الأم للّغة التي تتعلّمها على مواقع التواصل والأجهزة الخاصّة بك. شاهد المزيد من الأفلام بتلك اللّغة واستمع للكثير من مقاطعها، إقرأ روايات أو مجلّات مكتوبة بها. وغيرها الكثير من الأنشطة التي تُسهم في إثراء معرفتك وانخراطك في هذه اللّغة.

6- تقبّل فوضويّة تعلم لغة جديدة:

عليك أن تتذكّر دائمًا، بأنّك تتعلّم مهارة وليس موضوع أو مادّة ما. وهذا يتطلّب منك الاستمتاع بجميع اللّحظات السخيفة التي مررت فيها خلال رحلة تعلّمك لها، لا سيّما في الأشهر الأولى. ولا تدع الخوف والإحراج من هذه اللغة يتملكّانك. تصالح مع فكرة أنّ لكنتك، خصوصًا في البدايات، ليست كما المتحدّثيين الأصليين للغة التي تتعلّمها وأنّك لن تتمكن من فهم كل شيء فيها. لأن هذا كلّه لا يهم على المدى البعيد بقدر ما يهمّ التزامك في مواصلة تعلّم وممارسة هذه اللّغة للهدف الذي تريد.

رأي المُترجِم في كلمات:

استمتعت بقراءة كل تفصيلة من تفصيلات هذا المقال، وكمتعلّمة ودارسة للّغة الإنجليزية وغيرها، أجدُ أن معظم ما ذُكِر في هذا المقال منطقيّ للغاية. حيث أنّ تعلم لغة جديدة ليس بالأمر الهيّن وقد يحتاج للكثير من الجهد والبذل والمشقّة. وأوافق الكاتب في جزئية الفوضويّة في تعلّم اللغة، لأنّها حقًا كذلك، فليست هناك طريقة مثلى تنطبق على الجميع، حتى أن الشخص ذاته قد تختلف تفضيلاته من حين لآخر وهذا طبيعيّ.. حيث أنّ المتعلّم قد يسأم أحيانًا من كثرة التفاصيل والمعلومات فيلجأ لطرقٍ مختلفة تسهل عليه طريقه. أخيرًا، قبول الأخطاء وقبول ارتكابها أمرٌ عظيم في نجاح اكتساب لغة أخرى، كنتُ قد لمسته بنفسي وما زلت ولكنّ الأهم هو محاولة تجنّب الواقِع من هذه الأخطاء مستقبلًا. ووجبَ عليّ أن أؤكد على ضرورة المحافظة على اللّغة الأم وعدم تجاهلها مهما بلغت منّا مراتب إجادة اللّغات الأخرى، فلا سبيل للنجاحِ بشيءٍ ليس له أصل.

 

فريق الإعداد

إعداد: فاطمة الملاح

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...