أدبقصة قصيرة

سندٌ لروحٍ معلّقة قصة قصيرة لـ أمل المصري

قصة قصيرة

في قسمِ غسيل الكلى، دخلتُ متردّدةً ..
وجوهٌ كثيرةٌ تحملقُ فيَّ، أطفالٌ لم تُسعِد الحياةُ قلبهم يومًا .. ينظرونَ إليَّ بعيونٍ مُرهقة، لأوّل مرّةٍ أشعرُ بالذّنب من شيءِ لم أقترِفهُ .. ” مكانُكم ليسَ هُنا ” كنتُ أودُّ قولَها لَهم، البعضُ نيامٌ خشيّةَ الألمِ .. و البعضُ مستيقظونَ لكنّ قلبَهُم غائبٌ.
لم أقِف طويلًا، أسرعتُ إلى السّرير في زاويةِ الغرفة،
إلى سريرِ أخي …
لَرُبّما لو تبادَلنا الأدوار حينها لكانَ الأذى أهون، و لكانَ الوجعُ أقلّ إيلامًا، ينامُ هوَ كملاكٍ ذو عينينِ جميلَتين جدًّا لا تستحقّ كلّ ذلك البؤس، شبكتُ يدي بيدهِ، كنتُ أريد أن أتقاسمَ الأسَى معهُ، و لأنّ ذلك العذاب كانَ ثقيلاً على جسدٍ واحد ٍ لا يتجاوزُ حجمهُ حجم دميةٍ صغيرة …
أراقبُ عيونَ والدتي بحَذر، أرتقبُ أيّ دمعةً تسيلُ مِنها، مسكينةٌ هي .. لم تستَطع يومًا أن تتأوّه حتّى، كان يتوجّب عليها دائمًا أن تكونَ الشّخص الأقوى بَيننا، و أن تكونَ الحلّ لكل مشكلاتِنا، القولَ القاطع لحيرتِنا، صبرُها هي كانَ الأطول، تعبُها هي كانَ الأصعب …

كانَت دائمًا تقول أنّه مع كلّ ألمٍ يوجدُ أمل، لم يخذل اللهُ ظنّها حين خذلها الجّميع، لم يتركها الله حين وُضِعَ الحمل الأكبر على عاتقها، سمعَ الله دعائها فأجابها …

أمّا أبي فلم يَكُن أقلّ صبرًا منها، كان جمودهُ و سكونه مخيفٌ لي، لم يصرخ .. لم يبكِ أمامنا، منذُ أن علمَ بإصابةِ ابنهِ الصغير بالفشل الكلوي أصبح يفكّر كثيرًا .. عيناهُ الّتي يشوبها شيءٌ من الأحمر كانَت تكشفُ أمره في كلّ مرة .. كانت تقول لي بأنّ البكاء داهمهُ منذ قليل.

٢٠١٦/٦/١٤ :
كانَ موعد العملية الّتي تقتضي أن ينزعَ والدي كليتهُ اليُسرى و أن توضعَ في جوفِ بطنِ أخي، أخبرنا الطّبيب أنّه لا خوفَ من العمليةِ ذاتها، قال لنا أنّ ما يلي تلك العملية الجراحية هو المهمّ ..
كانَ منظرهُما مميتٌ بالنّسبة لي، أبي و أخي برداءٍ أزرق جاهزينَ للدخول إلى قسم العمليات، لا أحد فقط أمي كانت تساندهُم في مدينةٍ تبعدُ عن مدينتنا أكثر من أربع ساعاتٍ، بلا أحد .. بينما كانَ الجميعُ يمطرنا بكلمات العطفِ و المودّة لم يكن من أحدٍ هناك، صدّقني لن تجد شخصاً واحداً فقط يقف معكَ في محنتك، الكلّ يتخلّى عنكَ و يمضي …

اليوم والدي و أخي بصحةٍ جيدة بعض الشّيء، لكنّ أمي و أبي قد كَبرا مئة عامٍ منذُ تلك الجائحة، أيقنتُ كلّ اليقينَ أنّه ليس لي و لا لنا من أحدٍ سواهم، لا أحد سوف ينتشلني من ضعفي و نكبَتي غيرهم، هم فقط.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك:

و لكن في جسدٍ واحد ! لـ أمل المصري

ولادة مُسبَقة لـ أمل المصري

قناعٌ مَفقود !

فتاةٌ من وَرق، قَلبي يضخّ الحبرَ لا الدّم، و في داخِلي تسكنُ الأبجديّة.
خرجتُ من رحمِ والدتي إلى هذه الدّنيا منذُ خمسة عشرَ عاماً، ظروفٌ كثيرةٌ جعلت منّي فتاة ناضجةً رغم صغر سنّها، لَم تكن الحياةُ لطيفةً معي دوماً، أردتُ أن أترجمِ كل سكونٍ إلى كلماتٍ … أن أجعلَ من حُطامي حياة .. و من كلّ حرب سلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *