تأخذك إلى أعماق الفكر

ميكانيكا الكم ومستقبل التكنولوجيا

0

فى عام 1946 كان أول حاسوب في العالم هو الحاسوب الأمريكي (اينياك) المبني على نظام العد العشريّ، والذي يزن مئات الكيلوجرامات وهو بحجم غرفة ضخمة ويقوم بعمليات حسابية بسيطة. استمرت تكنولوجيا الحاسوب في التطور وتقلصت أحجام الحواسيب، إلى أن ظهر الحاسوب المكتبي الثابت التقليديّ بمكوناته المعروفة بشاشة منفصلة، وبلوحة مفاتيح منفصلة وفأرة منفصلة وصندوق التشغيل المعدنيّ الذى يحتوي على المكونات وكان بتكنولوجيا أكثر تطورًا، استمر الوضع إلى أن لاحت فكرة الحاسوب المحمول أو الـ “laptop” الأصغر حجمًا.

الحاسوب اينياك

في عام 1973 عرضت شركة IBM SCAMP project، ليتم تسويق أول نتاج للمشروع سنة 1975، وهو IBM 5100، أول حاسب محمول يتم تسويقه، وأعلن سنة 1981 عن أول حاسب محمول بحجم ووزن صغيرين. Epson HX-20 حاسوب من شركة إبسون بشاشة “LCD” وبطارية قابلة للشحن وطابعة بحجم حاسبة بوزن 1.6KG. واستمر تطور الحواسيب واستمرت الأحجام بالتناقص إلى مابعد الألفية وظهور الهاتف المحمول، أما بعد عام 2000 تم إحداث ثورة كبيرة، فقد تم دمج تكنولوجيا الهواتف المحمولة مع تكنولوجيا الحاسوب على أيدي كبرى الشركات العالمية وفي مقدمتها شركة Apple الأمريكيّة، وSamsung الكوريّة، وNokia الفنلنديّة، ليظهر الهاتف الحاسوبيّ المتعارف عليه الأن بنظام التشغيل android الذى بحجم أصغر من راحة يد البشر وبتكنولوجيا معقدة.

إعلان

Epson-hx-20

 

ميكانيكا الكم ومستقبل التكنولوجيا:

من الواضح أن العالم بعد ظهور النظرية النسبية لأينشتاين ونظرية ميكانيكا الكم لمجموعة من الرواد الفيزيائيين وفي مقدمتهم ماكس بلانك ونيلز بور وهايزنبرج، و شرودنجر، تطور العالم بثورة كبيرة فى القرن العشرين عن ما قبل ذلك، وتعرف ميكانيكا الكم على أنها وصف لكميات صغرى من الطاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات، وهو مصطلح يمكن أن يستخدم للإشارة إلى كميات الطاقة المنبعثة بشكل متقطع وليس بشكل مستمر، وفيزياء الكم هي فيزياء الجسيمات الصغيرة التي لا يمكن دراستها بنفس طريقة درس المادة العاديّة، لأن الجسيمات الكمية تسلك سلوكًا ماديًا أو موجيًا.

“مصطلح ميكانيكا الكم مصطلح يوجد به قصور لغوي كبير لإمكانية تعريف العالم الصغرويّ للفيزياء ولكنه مصطلح ربما يكون هناك اتفاقًا واسعًا عليه”

أهم اسهامات ميكانيكا الكم هو ارسائها لقواعد تقنية النانو التكنولوجيّة وتطوير استخدام الليزر وتطور الحواسيب المستمر وظهور الحواسيب الكمية، لأن بدون ميكانيكا الكم ونظرياتها ومعادلاتها، كان من الصعب تطور أنواع الحواسيب وتكنولوجيتها التى تعتمد في الأساس على مبادىء تقريبيّة واحصائيّة واحتماليّة “في نظم تشغيلها وهو نفس التفسير الذي صاغه نيلز بور وهايزنبرج وماكس بورن “تفسير كوبنهاجن” لتفسير ظواهر ميكانيكا الكم وهو أن الإحصاء والتقريب والاحتمالية هي أهم سمات ميكانيكا الكم.

يمكننا أن نرى أنّه منذ تطور نظريّة ميكانيكا الكم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت التكنولوجيا طريقها في التطور والتقلص وزنًا وحجمًا بشكل متواصل من أكبر لأصغر مع مرور السنين، والآن في وقتنا الحالي يتم الإعداد فى القريب العاجل في عاميّ 2019 و 2020 لطرح الهواتف المحمولة والحواسيب المحمولة خفيفة الوزن “flexible” أي القابلة للثنيّ فى الأسواق.

إعلان

لاب توب قابل للثني من سامسونج
هاتف محمول قابل للثني من لينوفو

ماذا يحمل المستقبل؟

مستقبل تكنولوجيا الهواتف المحمولة والحواسيب ومستقبل التكنولوجيا بشكل عام فى المستقبل غير البعيد سيكون مستقبل النانو التكنولوجيّ أو التكنولوجيا متناهية الصغر، ومستقبل الموجات الكهرومغناطيسيّة التي لا تحتاج إلى وسيط مادي للانتقال، والليزر الذي اكُتشف في الأساس على يد جوردون جولد هو إحدى النتائج المذهلة لميكانيكا الكم، والموجات الكهرومغناطيسيّة والتحكم عن بعد، التي يرجع الفضل لمجموعة من العلماء باكتشاف مثل هذه التكنولوجيا نذكر منهم جيمس ماكسويل، ونيكولا تيسلا، وسيتم تنحية المادة مقابل الطاقة وهذا من أهم نتائج ميكانيكا الكم. وجربة “شقي يونج” أو “تجربة الشق المزدوج “وهى تجربة فيزيائيّة لإثبات الطبيعة الثنائيّة للضوء موجة -جسيم.

الطبيعة المزدوجة للجسيمات فسرت بمبادئ ومعادلات أيضًا، أهمها مبدأ Uncertainty principle، أو مبدأ عدم اليقين الذي يقول بعدم اليقين في تحديد سرعة جسيم وموضعه في آن واحد، بالإضافة إلى معادلة شرودنجر أحد أعمدة ميكانيكا الكم wave mechanics أو الميكانيكا الموجيّة لفهم طبيعة الجسيمات كموجة. وصيغت بعلاقة من أهم العلاقات فى ميكانيكا الكم التي أثبتت تلك الخاصيّة “الموجيّة” “لجميع الجسيمات” وسميت بموجة دى بروى.

اعتقد أن العصر القادم وما يطمح له العلماء، هو أن يتم اختصار المادة لصالح الطاقة إلى أن تزول الفروق الفيزيائية بينهما تمامًا بتكنولوجيا غير مسبوقة، وسيكون بإمكاننا أن نتصفح الانترنت على شكل شاشة من طاقة ليزريّة هولوجراميّة ثلاثية الأبعاد بواسطة جهاز فى حجم أصغر من عقلة الأصبع، وستكون التكنولوجيا أكثر تطورًا من المعروض فى بعض أفلام الخيال العلمي، وذلك الأمر ليس دربًا من دروب الخيال , فكان بإمكان متابعي السينما فى نهاية العشرينات من القرن المنصرم استشراف المستقبل عن طريق فيلم الخيال العلمي الألماني الصامت فيلم Metropolis وهو فيلم سينمائي مثير للجدل، انتاج عام 1927 من إخراج فريتز لانج أو حتى فيما بعد ذلك فى عدة افلام نذكر منها فيلم star wars الشهير، أو فيلم blade runner بنسخته الأولى عام 1982 أو في سلسلة أفلام العميل 007 James bond، كأس العالم 2022 أن كان أسند تنظيمه إلى اليابان كان بإمكان عشاق كرة القدم مشاهدة جميع مبارياته من على أرضيات الاستادات فى جميع دول العالم عن طريق الهولوجرام ولكن التنظيم أسند لقطر!

العصر القادم هو عصر الهولوجرام والموجات، وسيتم استبدال المفاتيح المادية لجميع انظمة التشغيل لكل الأجهزة التكنولوجية باللوحات الهولوجرامية وسيتم التحكم بالأجهزة عن بعد، وسيكون التوصيل الكهربائيّ لجميع الاجهزة بشكل لاسلكي عن طريق الموجات، وستصبح جميع شبكات أجهزة الهاتف المحمول والحواسيب بالتقنية الكميّة شبكات حاسوبيّة كميّة عملاقة غير قابلة للاختراق ومشفرة كميًا.

 

فيلم ميتروبوليس
تقنية الهولوجرام ثلاثى الأبعاد محاكاة مباراة على ملعب كرة قدم

مستقبل السفر عبر الزمن والحركة فى المستقبل:

فكرة السفر عبر الزمن بآلة الزمن أصبحت فكرة كلاسيكيّة نظريّة، لأنها تعتمد على فكرة تحريك الجسم المراد سفره بسرعة ثابتة إلى سرعة الضوء وهذا أقرب من المستحيل عمليّا، لأن مع ازدياد سرعة أي جسم تزداد كتلته طبقًا لقانون النسبيّة (E=mc^2) لأن مع وصوله إلى سرعة الضوء ستكون كتلته لا نهائية وسيحتاج إلى طاقة لا نهائية فهذا صعب عمليًا أما منذ مطلع الألفية تزداد الأبحاث والتجارب على ما يسمى Quantum teleportation أو الانتقال الكمي الآني، وهي عملية نقل تتم بشكل آني، وفي 29 مايو 2014 أعلن عن نجاح نقل بيانات بواسطة النقل الآني الكميّ، أما ما تعمل عليه الأبحاث الآن هو النقل الآني للمواد، أي عملية نقل الآني بشكل أكثر تعقيدًا، اذا تم بنجاح النقل الآني لمسافات طويلة فسيكون السفر عبر الزمن أقرب من أي وقت مضى، لماذا؟ لأن أقرب الفرص للوصول للسفر عبر الزمن هي عن طريق السفر خلال الثقوب السوداء الدوديّة والخروج من الثقوب البيضاء التي تعمل مخرجًا للثقوب السوداء كما يعتقد العلماء. كما أنّه يعتقد أن أقرب الثقوب السوداء للأرض هو Cygnus X-1 وهو أقرب الأجسام التي يُعتقد أنها ثقب أسود. فاعتمادًا على مراقبات أشعة إكس القويّة، يقع هذا الجسم على بعد حوالي 6000 سنة ضوئية منا! وهذه مسافة مستحيلة ومهولة ولا يمكن قطعها بأي وسيلة للانتقال حاليًا، أما مع الانتقال الآني سيكون بالإمكان الانتقال إلى حافة CYGNUS X-1 ومن ثم المرور إلى داخله والسفر عبر الزمن، أو الانتقال إلى أي جزء فى الفضاء. وأما عن معوقات المرور بداخل الثقب الاسود فيمكن التغلب عليها فى المستقبل بصناعة مركبة بمواصفات خاصة، ومع تطبيقات الانتقال الآني الكمي في المستقبل سيكون بإمكان البشر الانتقال والسفر ما بين القارات والأماكن بشكل آني فوري، أو بدون الانتقال الآني عن طريق استحداث المحركات ذات قوى الدفع الكبيرة، التى تعمل بالطاقات البديلة والتى ستعمل على اختصار وقت السفر ما بين القارات إلى دقائق معدودة.

“سرعة الضوء 300 ألف كيلومتر/ثانية وبهذه السرعة فإن الضوء يقطع 18 مليون كيلومتر في الدقيقة = 9.46 تريليون كيلومتر في السنة الضوئيّة”

الانتقال الكمى الأنى

 

الانتقال الآني الكمى من فيلم star trek

استعمار الفضاء:

بفضل ميكانيكا الكم أصبح استعمار الفضاء أسهل نسبيًا بعد إماطة اللثام عن أسرار المادة والطاقة، وبعد اكتشاف الحالة الرابعة لمادة البلازما وتطبيقاتها المطلوبة لغزو الفضاء مثل معالجة الإشعاع وتنقية المياه ونمو النباتات، وفي المستقبل القريب سيكون استعمار القمر والمريخ أمرًا لا مناص منه وليس مجرد خيال علمي وقد بدأت أولى الخطوات بالفعل لاستعمار الفضاء رسميًا على أيدي مؤسسة خاصة وهي مؤسسة space x و إيلون ماسك، أو من خلال الخطوات العريضة لوكالة ناسا، ووكالة الفضاء الاوربية ESA، ووكالة الفضاء الروسية الفدرالية, أو من خلال بعض المؤسسات والشركات الخاصة الدوليّة التي أعلنت عن عزمها غزو الفضاء بمشاريع وأبحاث خاصة.

وستكون هناك في المستقبل منافسة تجارية شرسة فى مجال غزو الفضاء من قبل الدول الكبرى خصوصًا أمريكا والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا واليابان والهند، وهذا بعد أن قطع العلماء شوطًا فى التشابك الكمومي  أو Quantum Entanglement الذي سيسهل عملية الملاحة الفضائية والتحكم والاتصال بين المحطات والسفن الفضائية والأرض أو بين بعضها بعضًا بشكل آني متخطيًا لعائق المسافات الشاسعة في الفضاء وموضوع صعوبة الوقت والاتصال، وسيسمح بصناعة شبكة حاسوبية كمومية في الفضاء متصلة بشكل آنى.

وسيتم الاعتماد فى المستقبل كما ذكرنا على محركات تعمل بقوة دفع ضخمة وبسرعات كبيرة، وباستخدام طاقة بديلة كالطاقة الشمسية وطاقة النجوم للسفر والتنقل عبر الفضاء في المستقبل، أما بعد النجاح في الانتقال الآني سيكون استعمار الدروب البعيدة لمجرتنا مجرة درب التبانة أو حتى أقرب المجرات إلينا مجرة اندروميدا حقيقة ملموسة.

محطة فضاء تستخدم لوحات طاقة شمسية
محطات فضاء المستقبل

الطب:

تجرى الأبحاث “لعلاج” كثير من الأمراض عن “بعد” بدون تدخل جراحي فى المستقبل وليس لمجرد إجراء أشعة أو لتشخيص الأمراض، باستخدام الضوء، والموجات الكهرومغناطيسية.

جسيمات الضوء: عن طريق التقدم فى استخدام التوصيل الفائق مستقبلًا، أُثبِت علميًا أنّه يمكن للضوء العمل كموصل فائق، فالاهتزازات الكمية تجعل الفوتونات تتزاوج، على غرار الإلكترونات فائقة التوصيل.

التوصيل الفائق، هو ظاهرة يمكن فيها للإلكترونات أن تنتقل عبر مواد معينة دون أن تلقى مقاومة، وقد أدى إلى إحداث ثورة في بعض مجالات الطب. وشهدت تجربة مثيرة لذلك السلوك نفسه الذي يقوم عليه التوصيل الفائق، في جسيمات الضوء، يعتمد التوصيل الفائق المعهود على تكوين “أزواج كوبر” من الإلكترونات، التي تعمل على توازن مسارات بعضها بعضًا، وتسمح للكهرباء بالتدفق بلا مقاومة. وقد أدى اكتشافها إلى تطوير مغناطيسات قوية فائقة التوصيل تستعمل اليوم في مجالات عدة منها الماسحات الطبية.

الموجات الكهرومغناطيسيّة: أما في كيفية مساهمة الموجات الكهرومغناطيسية فى علاج الأمراض عن بعد فلنعلم أن المجال المغناطيسي فى الذرة يتكون من سبع طبقات، البداية النواة والنهاية الإلكترون، عندما يسقط الإلكترون في أي مجال من السبع مستويات للطاقة يحدث خلل فى الخلايا الجزئية لأنها غير كاملة الطاقة، ومعنى ذلك هو أن تقارب الإلكترون السالب إلى البروتون الموجب فى النواة يحدث اشعاع نووي أو “ذري” و هذا الإشعاع يؤثر فى غذاء الخلايا الجزئية و الخلايا الرئيسية التي يتكون منها العضو، أي جسم الانسان كاملًا. بما يعني أنّه عندما تنخفض الطاقة المغناطيسية في مجال الذرة تحدث الأمراض، إذن علينا أن نعيد الالكترون إلى مكانه الصحيح، ونعيد التوازن بين الالكترون و الطاقة المغناطيسية و النواة، و نعيد الطاقة إلى الخلايا إلى أن يشفى العضو ويرجع إلى طبيعته بعد أخذ ما يكفيه من الطاقة باستخدام الموجات.
والتقدم فى علاج أمراض المخ والسرطانات خصيصًا سيكون المساهم الأكبر منه هو لميكانيكا الكم سواء عن طريق الضوء والليزر أو عن طريق الموجات وتأثيرهم فى مجال الكيمياء الحيوية.

 

 

الضوء كموصل فائق

الذكاء الإصطناعيّ:

الذكاء الإصطناعيّ انعكاس لتطور الحواسيب، تطور الذكاء الإصطناعيّ يشهد تطور يومي نظرًا لإمكانيات الأجهزة الحاسوبية الخارقة وقدرتها على البرمجة الفائقة، وقد حذر عالم الفيزياء ستيفن هوكينج من أن الذكاء الإصطناعي يمكن أن يكون أسوأ شيء يحدث للبشرية، نظرًا لمستويات الذكاء الاصطناعيّ لبعض الروبوتات الموجودة حاليًا، ناهيك عن ما قد نصل إليه فى المستقبل!
والآن مع تطور الذكاء الاصطناعي هناك تأثير متبادل لتطوير ميكانيكا الكم، إن الذكاء الاصطناعي سيقلل كثيرًا من الوقت اللازم لمحاكاة الأنظمة الكمومية، وسيقوم بتطوير نفسه ذاتيًا، إضافة إلى أنه سيمثل قوة دافعة لتطوير التطبيقات في ميكانيكا الكم فى جميع المجالات، ويلجأ الباحثون الآن إلى الشبكات العصبية الاصطناعية وتقنيات تعلم الآلة لقياس الأنظمة الكمومية.

الروبوت صوفيا _الذكاء الاصطناعى

إن ميكانيكا الكم هي أهم وأكبر نوافذ الطبيعة لاستشراف المستقبل.

فريق الإعداد

إعداد: مصطفى فتحي إسماعيل

تدقيق لغوي: بتول سعادة

مصدر مصدر 2 مصدر 3
تعليقات
جاري التحميل...