الحياة العمالية في مصر القديمة

بمناسبة احتفال مصر بعيد العمّال في هذه الأيام، كان لزامًا علينا أن نستعرض لمحة تاريخية من حياة العمال في مصر القديمة، ولا عجب في هذا، لأنّ العامل المصريّ في مصر القديمة هو السبب الرئيسي لبناء هذه الحضارة العظيمة لما كان يتسم به من اجتهاد وجدّ وحرفية وإتقان للعمل واتخاذ لأسباب القوة والعلم لإنتاج حضارة راقية في كلّ المجالات في مصر القديمة. كما أنّ العامل كان يتمتع بكافة حقوقه من الحكّام والمسئولين مما كان يوفر له بيئة صالحة لكي يقوم بعمله على أكمل وجه.

من أهمّ المناطق التي تترك لنا شواهد أثرية وتاريخية على حياة العمال في مصر القديمة هي منطقة دير المدينة، وهي منطقة إقامة العمال والفنانيين والحرفيين والنحّاتين العاملين في بناء وتشييد مقابر وادي الملوك والملكات في الدولة (المملكة) الحديثة، الأسرات (18,19,20) في غرب مدينة الأقصر.

 .

تتكون المنطقة من ثلاثه عناصر رئيسية:-
1- قرية عمّال دير المدينة.
2- مقابر دير المدينة.
3- معبد دير المدينة .

تقع منطقة دير المدينة في البرّ الغربيّ لمدينة الأقصر، وعلى وجه التحديد في الطرف الجنوبي بين وادي الملكات في الغرب والرامسيوم في الشرق وشيخ عبد القرنة فى الشمال وقرنة مرعي في الجنوب.
بالنسبة لتسمية المكان بهذا الاسم (دير المدينة) فذلك نسبة لديرٍ أقامهُ في هذه المنطقة الأقباط المسيحيين، أما اسم المكان في مصر القديمة فكان يسمّى (ست ماعت) أي مكان الحق. ومن خلال اسم المكان نفهم أنّ المصريّ القديم كان يُكرّم كلّ طبقات الشعب سواء كانوا ملوكًا أو عمّالًا أو حرفيين ..الخ. ويُقدّر قيمة كلّ إنسان وكلّ فرد من هذا الشعب، وكذلك الأمر بالنسبة للعمال والحرفيين والفنانين المهرة الذين شاركوا فى بناء وتسجيل وتوثيق هذه الحضارة فكان من الطبيعيّ أن يسمّى مكان إقامتهم (الذين يعملون بمكان الحق والعدالة).

إعلان

كانت الغاية من إقامة هذه المدينة هي جعلُها مقرّ إقامة العمال وأُسرهم بالقرب من مقرات العمل حتى لا يتم إهدار الوقت في التنقل من مكان لآخر، لأنّ المصريّ القديم الذي بنى مثل هذه الحضارة كان يعرف جيّدًا قيمة العمل وقيمة الوقت. المكان كان مميزًا جدًا جغرافيًا وتحيطه التلال من كلّ جانب مما يمثل حماية طبيعية وجغرافية للمقيمين داخل هذه القرية الصغيرة.

بدأت الحفائر فيها عام 1862م على يد (مارييت) ثم (ماسبيرو)، وفي عام 1905م استكملت الحفائر على نطاق واسع على يد (شياباريلي)، أمين المتحف المصري في (تورين)؛ ثم عام 1922م على يد (برنارد برويريه)، ثم عالم المصريات التشيكيّ (ياروسلاف تشيرنى)، ثم المعهد الفرنسيّ. وقام بعض من علماء الآثار، مثل “أيه. جي. ماكدويل” بتصنيفات علمية بحسب مواضيع بعض الكتابات والمراسلات، وقوائم الغائبين عن العمل وأسبابها، وكتابات الحياة اليومية والمسائل الطبية.

ترجع أهمية تلك المنطقة لوجود عدة أماكن أثرية بها مثل مثل بقايا منازل ومدينة العمّال التي تعطي توثيقًا علميًّا لتفاصيل حياة العمّال وأسرهم في مصر القديمة، وكذلك العثور فى هذه المنطقة على الكثير من البرديات وقطع الأحجار والشقف (الفخار) التي تصف لنا تفاصيل حياة العمال مثل (الخطابات، الشكاوى، عقود الزواج، عقود الطلاق، أدب، فن، شعر، يوميات، إدارات، مشاكل، وصفات طبية، حتى تفسير الأحلام …الخ). ونُقل للأسف الكثير منها في عدة متاحف وجامعات حول العالم مثل (بريطانيا وايطاليا والمانيا).

أول نقابة عمالية حقوقية كان لها مطالب حقوقية عمالية في التاريخ بدأت من منطقة دير المدينة حين اجتمع العمال لتقديم مطالب ضدّ فساد بعض الموظفين فى عهد الملك (رمسيس الثالث)، وبالفعل قام الملك بتنفيذ كلّ مطالب العمال وإعطائهم كلّ حقوقهم والتحقيق في قضايا الفساد والسرقة ومعاقبة المذنبين. وهنا يمكن أن نلاحظ ملمحًا هامًّا عن طبيعة علاقة ملوك مصر القديمة بأفراد الشعب، حيث تبدو جليه مظاهر العدل وإعطاء الحقوق والاستماع لمطالب الشعب وقدرة الشعب على التعبير عن حقوقه أو تسجيل ملاحظاته حول أيّ تجاوز أو فساد يؤثر على حياة المصري القديم، فالحضارة العظيمة تُبنى بكل تأكيد على قواعد راسخة من العدالة والعمل ومواجهة الأزمات وإيجاد حلول جذرية لها.

القرية كلها محاطة بسور كبير، وعدد المنازل في القرية يصل إلى 70 منزلًا متجاورًا تقريبًا داخل السور المحيط بالمدينة والذي يبلغ 131م من الشمال إلى الجنوب، و50م من الشرق إلى الغرب. ونجد أنّ المنازل مقسّمة إلى قسمين ويفصل بين القسمين شارع ممتد من الشمال إلى الجنوب بالأضافة لبعض المنازل التي بنيت خارج سور القرية من الناحية الشمالية تصل ل 50 منزلًا.
كانت القرية بها (مَحكَمة) للفضّ في المنازعات والحكم بين أهالي المدينة وتوقيع العقاب والجزاء على من تثبت إدانته من المتهمين.

الشكل المعماريّ للمنزل الواحد في هذه القرية عبارة عن منزل مسقوف وجدرانه نصفها السفليّ من الحجر نظرًا لقوّته ومتانته ونصفها العلويّ من الطوب اللبن نظرًا لطبيعته الخاصة في التدفئة شتاءً وترطيب المنزل صيفًا. المنزل مكوّن من أربع حجرات يتمّ استخدامها لمتطلبات المنزل الطبيعية، مثل حجرة للنوم أو للمطبخ أو مخزن للطعام …الخ، وكذلك كان المنزل مكوّنًا من طابق آخر علويّ يمكن الصعود له بدرج من الدور السفليّ، وتتوفر الإضاءة بواسطة شبابيك وفتحات تهوية داخل الحجرة مع توافر الإضاءة الطبيعية والتهوية بالنهار. أما أبواب المنازل فكانت تتم كتابة اسم صاحب المنزل عليها.

إعلان

اترك تعليقا