كيف تطوّرت أدمغتنا؟

إنّ الأمر ليس مفهومًا بشكل كامل لأنّ النسيج الليّن لبنية الدماغ يتحلل في السجل الأحفوري مما صّعب كثيرا تعقب و تتبع الدماغ عبر الأحقاب الجيولوجية، لكنّ مقارنة الجينوم قد تعطينا إجابات جيدة . ولازال السؤال عن الكيفية التي تطورت بها أدمغتنا مفتوحًا.

نعود لمليار عام مضت:

قبل ذلك كانت الكائنات وحيدة الخليّة قد احتلّت فترة كبيرة في عالمنا، لكنّ الحياة تطورت وازدهرت، إذ نشأت الكائنات متعددة الخلايا بتطويرها نظامًا عصبيًا بدائيًا للتواصل والتفاعل مع البيئة، ويسمى هذا النظام بـ prototype brain. هو نفسه النظام الذي تراه في الرخويات؛ كقنديل البحر مثلًا.

قبل الحديث عن هذا النظام العصبي البدائيّ لدى الرخويات، لابدّ من إلقاء نظرة على البكتيريا. امتلكت البكتيريا وحدةً مجهرية أقلّ حجمًا من الخلايا العصبية تُسمى بـ “القنوات الأيونية”.

وتعرّف القنوات الأيونية على أنها: بروتينات كبيرة تسمح انتقائيًا بعبور الأيونات “جزيئات مشحونة جزيئيًا”. وهي موجودة أيضًا في الفقاريات وموجودة في الدماغ البشري. (حتى أنّ جينات تقديم الأوامر لبناء القنوات الأيونية في الخلايا العصبية البشرية وُجدت أيضًا في البكتيريا.) تمكّن هذه القنوات الأيونية البكتيريا من الحركة واللمس والإحساس، وتعمل كوحدة معالجة للمعلومات “يمكن أن تقول أنه نموذج بسيط للذاكرة”. –

إعلان

قبل 600 مليون عام ظهر لنا نوع جديد هو الإسفنج البحري .

يتكون الإسفنج البحري من مستعمرات من خلايا بسيطة جدًا ولا يمتلك أيّ جهاز. وتتجمّع هذه الخلايا باستخدام البروتينات الموجودة في أغشية الخلايا لتتواصل مع بعضها البعض. والمثير للدهشة أنّ بروتينات الاتصال الخلوي هي نفسها أيضًا حيوية لبناء نقاط الاشتباك العصبي synapses في الجهاز العصبي البشري. (نقاط الاشتباك العصبي ”هي تقاطعات بين الخلايا العصبية التي تسمح للخلايا العصبية بنقل الإشارات من واحد إلى آخر”.) بالتشابه مع وجود القنوات الأيونية في البكتيريا في غياب الخلايا العصبية، كانت هذه البروتينات “المتشابكة” موجودة في الإسفنج Sponge بنقاط الاشتباك العصبي نفسها. فمن المحتمل أنّ الجهاز العصبي (المخّ والأعصاب) نشأ من هذا التطبيق المبتكر من أجزاء موجودة من قبل. ويطلق العلماء على هذه العملية (exaptation) “وهي الخصائص والسّمات التي تتطور لتقوم بوظيفة أخرى ولكن لا تعتبر تكيفا يغير من المظهر الخارجي للكائن بخصوص سمة أو خاصية معينة,”، والتي تهدف إلى إعادة التدوير للأفضل في العملية التطورية.

ويعكس الـ(exaptation) كيف يمكن أن تكون السمة موروثة لغرض جديد في الكائن الحيّ، فمثلًا، إنّ الريش الموجود في الطيور لهُ وظيفة الطيران اليوم، ولكنّه ربما تطور لغرض مختلف تمامًا في وقت مبكر، فمن المحتمل أنّ ريش الديناصورات قد ساعد في مسألة التزاوج، كما أنه يمثل دورا مهم منذ البداية في تنظيم درجة الحرارة .

ومن خلال ذلك فقط، كان للسمات المتطورة والتي لا تعتبر تَكيُفًا الفضل في تحليق الطيور في السماء اليوم. إنّ الأنظمة البسيطة في ذلك الجهاز العصبي كانت موجودة لمجرّد تنسيق تعدّد الخلايا، أو الإحساس الأساسي. وما زال العلماء يختلفون بشدة على نشأة الخلايا العصبية الأولى. إنّه لمن الممتع أنّ نتخيل أنّها خلية واحدة، قادرة على الاستشعار والتصرف تمامًا مثل البكتيريا، وفصل وظائفها إلى خليتين (خلية عصبية وخلايا العضلات)، وأنّ هذا الاتصال حميم على المستوى الجزيئي. لكنهُ أيضًا من الصعب استبعاد احتمال أنّ هذه الخلايا نشأت بشكل مستقلّ، وهو الأمر الذي يُنظر إليه خلال تطور جميع الحيوانات تقريبًا. ومع الافتقار إلى أحفورة من الخلايا العصبية الأولى، من المرجّح -مع كل هذا التفكير العلمي- أن تظلّ هذه مجرّد تخمينات. لبعض الوقت في المستقبل.

الدماغ التطوري:

خلال رحلة الدماغ التطوري التي ذكرناها آنفًا، احتفظ الدماغ خلال هذه المراحل بذكريات -لا أقصد ذكريات فعلية كالتي نتذكرها- بل أوامر ومناطق دماغية تعطي نفس الأوامر في مرحلة ما خلال تاريخنا التطوري. ولعلّ أقرب مثال أنه خلال رحلتنا، وتحديدًا عندما كنّا زواحف، كان هناك عدد من العمليات الأساسية التي يجب القيام بها؛

كالعمليات الحيوية (الجوع والعطش) والتنظيم بين الاستجابة والمشكلة، والعديد من هذه العمليات الضرورية والتي كان يتحكم بها جزأين من الدماغ هما brainstem و cerebellum، بما يعرف “بدماغ الزواحف”. عندما تطوّرنا وبدأ الدماغ بإكمال رحلته حتى وصلنا لجنس الهوموسابينس، وهو جنسنا الحاليّ، تطورت معه إمكانيات جديدة وقدرات أخرى، كالوعي والانتباه والإدراك والسببية، في منطقه neocortex. وبالطبع، ستعتقد أنّ الجزأين “الدماغ الزواحفي” و”القشرة الحديثة” يعملان بشكل متناغم وإيقاعي أو أنّ لكلّ منهما تخصّصه المنفصل. لكنّ الحقيقة أنّ القصه بينهما مأساوية.

فالدماغ الزواحفي يشبه رجلًا عجوزًا متمسكًا بعاداته القديمة، حيث يرى أنّ جهاز الراديو أفضل من الهاتف المحمول، أو كمدير متسلّط رجعي يرى أنّ الكتابة علي الآلة الكاتبة أفضل من الكتابة على الكمبيوتر.. ويسأل أسئلة غبية.. لماذا؟

لأنه اعتاد أن يفعل ذلك.. هذا كلّ ما لديه. هذا هو حال القشرة الحديثة مع دماغ الزواحف! فدماغ الزواحف يرى أنه صحيح لأنه اعتاد على فعل ذلك من قديم الأزل -خلال مرحلته التطورية مرحلة الزواحف- وحتى وقتنا هذا. ويعتبر دوار الحركة أفضل مثال يدلّل على ذلك الصّراع.

 

المصادر 1,2

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هشام هارون

تدقيق علمي: عبد الرحمن وماسي

اترك تعليقا